خاشقجي: الشكوى الفرنسية وفخ الحصانات
قبول القضاء الفرنسي النظر في شكوى مرتبطة باغتيال جمال خاشقجي لا يعني صدور حكم، ولا يعني انهيار العلاقات مع الرياض. لكنه يعني أن الملف خرج، ولو جزئيا، من منطقة الاستنكار الدبلوماسي ودخل منطقة الإجراء. وهذه المنطقة أضيق بكثير، لكنها أشد خطورة.
حسب Reuters وAssociated Press، في 16 ماي 2026، ينتظر أن ينظر قاض فرنسي في شكوى تقدمت بها منظمات غير حكومية، بينها TRIAL International وReporters sans frontières، في ملف يستهدف ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في سياق اغتيال الصحفي جمال خاشقجي. الوقائع الأصلية معروفة: قتل خاشقجي في 2 أكتوبر 2018 داخل القنصلية السعودية في إسطنبول. أما المسؤولية الجنائية الفردية، فليست مسألة رأي سياسي، بل مسألة إثبات واختصاص وحصانة وإجراء.
الإجراء ليس حكما
في القضايا شديدة الحساسية، يبدأ التضليل غالبا من الخلط بين الكلمات. فتح تحقيق أو قبول النظر في شكوى لا يساوي توجيه تهمة، ولا يساوي إدانة. هذه قاعدة أولى لا بد منها. فالقضاء لا يعمل على إيقاع الغضب العام، بل على شروط قانونية محددة: قابلية الشكوى، الاختصاص، الأدلة، طبيعة الجريمة، وضع الشخص المستهدف، ومسألة الحصانة.
لكن تقليل دلالة الإجراء سيكون خطأ أيضا. لأن مجرد تحريك الملف أمام قضاء وطني أوروبي يذكر بأن جرائم كبرى، أو جرائم موصوفة كذلك من قبل المنظمات، لا تبقى دائما محصورة في تقارير أو بيانات. الإجراء يفتح بابا ضيقا، لكنه باب حقيقي: هل يستطيع القضاء أن يلامس من هم في مركز السلطة؟
فخ الحصانات
هنا تظهر العقدة. في القانون الدولي والعلاقات بين الدول، ليست الحصانة تفصيلا تقنيا. إنها أحيانا جدار سياسي مكتوب بلغة قانونية. وقد تحمي مسؤولين في مناصب عليا من ملاحقات أمام محاكم أجنبية، على الأقل أثناء توليهم وظائفهم، وفق شروط يحددها القانون والاجتهاد القضائي.
لذلك سيكون قلب الملف في مكانين: أولا، مدى قدرة القضاء الفرنسي على تثبيت اختصاصه. ثانيا، مدى قدرة الشكوى على تجاوز أو الالتفاف على عوائق الحصانة. من دون ذلك، يمكن أن يبقى الملف قويا أخلاقيا وضعيفا إجرائيا. وهذا هو التوتر الحقيقي: الفظاعة المعترف بها سياسيا لا تكفي وحدها لبناء مسار قضائي فعال.
العدالة حين تقترب من السياسة
قضية خاشقجي ليست ملفا جنائيا عاديا. إنها تقع عند تقاطع حرية الصحافة، العنف العابر للحدود، علاقات القوة، وأسواق السلاح والطاقة والدبلوماسية. كل تقدم إجرائي فيها يختبر شيئا أبعد من الوقائع نفسها: يختبر قدرة الدول التي تتحدث عن حقوق الإنسان على تحمل كلفة هذا الخطاب عندما يقترب من حليف استراتيجي.
القضاء الفرنسي، في هذا النوع من الملفات، لا يتحرك في فراغ. لكنه لا يفترض أن يتحول أيضا إلى ملحق بوزارة الخارجية. قوته، إن وجدت، تكمن في استقلال الإجراء عن المصلحة الدبلوماسية المباشرة. وضعفه المحتمل يكمن في أن القانون، حين يلامس قمة السلطة، يصطدم غالبا بجدران لا تظهر في النصوص وحدها.
بين حق الضحية وحدود الدولة
المنظمات التي تحمل هذا الملف لا تبحث فقط عن رمزية. إنها تحاول تثبيت مبدأ: أن الصحفي الذي يقتل في قنصلية لا يصبح مجرد مادة للأرشيف الدبلوماسي. وأن عائلات الضحايا والمجتمع المدني يملكون حق دفع القضاء إلى مساءلة ما يمكن مساءلته.
لكن العدالة هنا لن تقاس بالشعار. ستقاس بقدرة الملف على التقدم خطوة بعد أخرى، من دون قفز فوق شروط الإثبات، ومن دون اختزال الحصانة في ذريعة مطلقة. إذا أغلق الباب، سيقال إن السياسة انتصرت. وإذا فتح، ولو جزئيا، سيطرح سؤال أصعب: هل يملك القانون أدواته عندما يقترب من رأس السلطة؟
في هذا المعنى، لا تكمن أهمية الشكوى الفرنسية في أنها تعد بنتيجة سريعة. أهميتها أنها تضع الخطاب الحقوقي أمام اختباره الحقيقي. ليس حين يلاحق الضعفاء، بل حين يقترب من الأقوياء.
المصادر المستخدمة
- وكالات: Reuters وAssociated Press، 16 ماي 2026، حول الإجراء القضائي الفرنسي في ملف جمال خاشقجي.
- منظمات مذكورة في الوكالات: TRIAL International وReporters sans frontières.



