الإجراء كهدنة
إعلان زيارة قريبة لسعيد سعيود إلى باريس يؤكد منهجا واضحا : الجزائر وباريس لا تدخلان مرحلة مصالحة فعلية، بل تعيدان تشغيل قنوات تقنية صارت ضرورية. العدالة والأمن والتعاون القضائي أصبحت اللغة المؤقتة لعلاقة سياسية مجروحة.
بحسب ما نقلته «الوطن» في 18 ماي 2026، أعلن لوران نونيز، في مقابلة نشرتها «لا تريبون ديمانش»، أن نظيره الجزائري سعيد سعيود سيزور باريس خلال الأيام التالية. تأتي هذه المعلومة بعد زيارة وزير الداخلية الفرنسي إلى الجزائر في فيفري، وبعد مؤشرات أخرى على استئناف الاتصال بين العاصمتين. الكلمات المستعملة رسميا هي التعاون، الأمن، الهجرة، الاستخبارات، والمساعدة القضائية. يجب أخذها بجدية، لا لأنها تعلن سلاما سياسيا، بل لأنها تكشف العكس : حين تعجز العلاقة الدبلوماسية عن إنتاج الثقة، تلجأ إلى الإجراء.
خرجت فرنسا والجزائر من مرحلة توتر حاد. الصحراء الغربية، الهجرة، تبادل طرد دبلوماسيين، القضايا القضائية والقنصلية، والذاكرة الاستعمارية كلها أعادت العلاقة إلى منطقة صلبة. هذا السياق لم يختف. لقد جرى فقط تأطيره. استئناف الاتصال لا يمحو الخلافات ولا الإهانات المتراكمة. إنه يعني أن جهازي دولة أدركا أن القطيعة الكاملة أكثر كلفة من إبقاء قناة مضبوطة.
العدالة كأرضية لاستئناف العلاقة
الأمر المهم ليس فقط الزيارة المنتظرة لسعيد سعيود. الأهم هو طبيعة الملفات التي عادت إلى المركز. التعاون الأمني لا يتحرك وحده. إنه يستدعي التعاون القضائي : تبادل المعلومات، الإنابة القضائية، الجريمة المنظمة، الدوائر المالية، تنفيذ الطلبات، ومعالجة ملفات حساسة. في علاقة طبيعية، تبدو هذه الأدوات إدارية. في علاقة فرنسية جزائرية متدهورة، تتحول إلى إشارات سياسية.
هنا تصبح الدقة ضرورية. المساعدة القضائية ليست شعارا. إنها تفترض طلبات رسمية، سلطات مختصة، قواعد إجرائية، آجالا، ضمانات وحدودا. ولا ينبغي أن تتحول إلى سوق سياسية يُستعمل فيها كل ملف كورقة تفاوض. القانون ليس محايدا حين يتحرك بين دولتين في نزاع كامن. يمكنه أن يحمي ويفتح المسارات، لكنه قد يغطي أيضا صفقة دبلوماسية بلباس قانوني نظيف.
المؤشرات المرتبطة بتسلسل دارمانان وبوجمعة تفيد بأن باريس لا تبحث فقط عن حوار رمزي مع الجزائر. المقصود هو تثبيت قانوني لتعاون موضوعاته ثقيلة : الإرهاب، المخدرات، الجريمة المنظمة، الهجرة، المال، والملفات العابرة للحدود. أي إن التطبيع يمر عبر الأجهزة التي تراقب وتلاحق وتطرد وتحقق وتنقل المعلومات.
ما تكشفه الهدنة
الأزمة الأخيرة كشفت أن العلاقة بين البلدين كثيفة إلى درجة تمنع القطيعة، ومحمّلة إلى درجة تمنع المصالحة السهلة. ملايين الأشخاص يعيشون داخل هذا التداخل : العائلة، الوثائق، الدراسة، العمل، التأشيرات، الإرث، النزاعات والذاكرة. يمكن للدول أن ترفع الصوت، لكن المجتمعات تبقى مشدودة إلى الاستمرارية المادية للعلاقة.
لهذا لا تحمل العودة الحالية طابعا كريما. إنها حساب دولة. فرنسا تحتاج الجزائر في الأمن والاستخبارات والترحيل والشبكات الإجرامية. والجزائر تحتاج إلى الحفاظ على قدرة ضغط واعتراف ومعالجة لطلباتها، بما فيها الملفات المتعلقة بالأموال والأرشيف والقضايا القضائية ورموز السيادة. كل طرف يعود إلى الطاولة بمصالحه وجراحه وخطوطه الحمراء.
الذاكرة الاستعمارية حاضرة حتى حين لا تُسمى. مطالب الاسترداد، الأرشيف، الرفات، خرائط التجارب النووية، الممتلكات والمسؤوليات التاريخية ليست زينة خطابية. إنها موضوعات قانون ودليل وسيادة. حين تدخل الذاكرة في الإجراء، لا تبقى خطابا فقط. تصبح جردا، ووصولا إلى الوثائق، وتكييفا، وحفظا واسترجاعا.
الخطر واضح : أن يُعرض هذا الاستئناف باعتباره تهدئة بينما هو، في هذه المرحلة، هدنة وظيفية. الهدنة قد تكون مفيدة. قد تفتح القنوات، وتمنع الحركات العبثية، وتحمي مصالح إنسانية عاجلة، وتفكك ملفات قنصلية أو قضائية. لكنها تصبح خطرة إذا استُعملت لتبييض الأزمة السياسية. التعاون لا يثبت الثقة. إنه يثبت فقط أن الاعتماد المتبادل أقوى من القطيعة.
القانون تحت ضغط الدبلوماسية
يمينة بوضياف
المصادر المستخدمة
الصحافة :
- El Watan, « Rapprochement franco-algérien sur fond de relance diplomatique et judiciaire : Nuñez annonce la visite imminente de Sayoud à Paris », 18 mai 2026.
- Le Monde, « French interior minister eases tensions with Algeria by reviving security cooperation », 18 février 2026.
- Le Monde, « After signs from Macron, Algeria shows its own willingness to resume dialogue », 12 mai 2026.
- Associated Press, « Algeria votes to declare French colonization a crime and demands restitution », décembre 2025.



