المغرب: الدفاع تحت الإصلاح
في المغرب، لا يمكن قراءة أي إصلاح يمس مهنة المحاماة كمسألة داخلية تخص أهل المهنة وحدهم. فالمحامي ليس موظفا تقنيا داخل آلة العدالة، بل أحد الشروط العملية لوجود دفاع فعلي. حين تتغير قواعد الوصول إلى المهنة، أو شروط التأديب، أو النظام الجبائي، أو علاقة المحامي بالإجراء، فإن المتقاضي هو من يتأثر في النهاية.
تشير مادة الأرشيف إلى توتر مهني حول إصلاح يخص المحامين. كما أن الجدل الذي رافق إصلاحات المسطرة الجنائية في المغرب أظهر أن المسألة أوسع من خلاف نقابي. إنها تتعلق بمكان الدفاع داخل هندسة السلطة القضائية: هل يبقى الدفاع قوة مستقلة نسبيا، أم يتحول تدريجيا إلى مهنة مضبوطة بإيقاع الإدارة؟
الإصلاح حين يمس الحق في الدفاع
تستخدم الدول غالبا لغة التحديث: عقلنة، شفافية، تنظيم، مهنية، رقمنة، تحديث. هذه الكلمات قد تكون ضرورية، لكنها لا تكفي لتقييم الإصلاح. السؤال الحقيقي هو أثر النص على الحقوق الإجرائية: هل يسهل الوصول إلى المحامي؟ هل يحمي سرية العلاقة بين الدفاع والموكل؟ هل يضمن استقلال التأديب؟ هل يوسع قدرة المواطن على الطعن والمواجهة؟
إذا كانت الإجابة غامضة، فالمشكلة ليست في حساسية المحامين تجاه الإصلاح، بل في طبيعة الإصلاح نفسه. فالدفاع لا يقاس فقط بعدد المحامين ولا بتنظيم الهيئات. يقاس بقدرته على الوقوف في وجه النيابة، الإدارة، الشرطة، والخبرة الرسمية عندما يكون المواطن في موقع ضعف.
مهنة لا تختزل في الامتياز
من السهل تصوير احتجاج المحامين كدفاع عن امتياز مهني. هذا التبسيط يخفي جوهر المسألة. صحيح أن كل مهنة تدافع عن مصالحها، لكن المحاماة ليست مهنة عادية. استقلالها جزء من بنية المحاكمة العادلة. كل تضييق غير مبرر على شروط ممارستها ينعكس على حق الدفاع، لا على المحامي وحده.
لذلك ينبغي قراءة الاحتجاج، إن ثبتت تفاصيله، من زاويتين في آن واحد: مصالح مهنية من جهة، وضمانات عامة من جهة أخرى. الإصلاح المقبول هو الذي يميز بين مكافحة الاختلالات وتقليص الاستقلال. أما الإصلاح الذي يضع الدفاع تحت وصاية إدارية أو مالية خانقة، فيتحول إلى مسألة حريات عامة.
الدولة المعيارية وحدودها
تملك الدولة حق تنظيم العدالة ومهنها. لكن هذا الحق ليس مفتوحا بلا قيود. فكل سلطة معيارية في مجال القضاء ينبغي أن تقاس بقدرتها على حماية التوازن بين الاتهام والدفاع، بين الإدارة والمتقاضي، بين النظام والحق في الاعتراض.
حين يتوتر المحامون، لا ينبغي الاكتفاء بسؤال: ماذا يريدون؟ ينبغي أيضا طرح سؤال آخر: ماذا يريد الإصلاح من المحاماة؟ هل يريد مهنة أكثر شفافية، أم دفاعا أكثر قابلية للضبط؟
هذه هي النقطة السياسية في الموضوع. لأن العدالة لا تُقاس بخطاب تحديثها، بل بما يبقى للمتقاضي من قدرة فعلية على مواجهة سلطة الدولة. في هذا الامتحان، ليست المحاماة جسما وسيطا فحسب، بل خط دفاع عن المجتمع نفسه.
المصادر المستخدمة
- الصحافة: Medias24، مادة أرشيفية حول إصلاح مهنة المحاماة في المغرب.
- الصحافة: Le Monde، 11 يوليو 2025، حول الجدل المرتبط بإصلاحات المسطرة الجنائية المغربية.



