ثقافة وذاكرة

عبد المجيد مسكود: الجزائر العاصمة تفقد أرشيفا مغنى

مشاركة :
1 دقائق قراءة

برحيل عبد المجيد مسكود، لا تختفي فقط إحدى أصوات الشعبي. تختفي طريقة شعبية في حفظ الجزائر العاصمة في الذاكرة، بعيدا عن البطاقات السياحية والخطاب الرسمي والنسيان الحضري.

نقلت El Watan، في 16 ماي 2026، خبر وفاة عبد المجيد مسكود عن ثلاثة وسبعين عاما بعد مرض طويل. وذكرت الصحيفة صلته الحاسمة بأغنية «يا دزاير يا العاصمة»، التي كتبت وأديت سنة 1989، وصارت واحدة من العلامات الوجدانية الأكثر رسوخا في الذاكرة العاصمية. كما أوردت دفنه في مقبرة العالية وحجم التعازي القادمة من الوسط الفني والسياسي والشعبي.

هذه الوقائع تكفي لقياس حجم التأثر، لكنها لا تكفي لفهم ما يضيع فعلا. رحيل مسكود يمس وترا أعمق من الحنين إلى صوت مألوف. إنه يذكر بأن الأغنية الشعبية العاصمية أدت طويلا وظيفة لا تحسن المؤسسات الثقافية أداءها دائما: حفظ أثر الأحياء، اللهجات، طرق الكلام، النكتة، المجاورة، الجرح الحضري، وما تبقى من مدينة عاشها الناس قبل أن تصبح موضوعا للتخطيط أو الندوات.

أغنية كخريطة حميمية للعاصمة

«يا دزاير يا العاصمة» ليست عنوانا شهيرا فقط. إنها خريطة عاطفية. لم تصف الأغنية الجزائر العاصمة كديكور، بل خاطبتها ككائن حي: مدينة محبوبة ومجروحة، منظورة من شوارعها ومقاهيها وعتباتها وخساراتها ووعودها المخذولة.

هنا يحتل مسكود مكانته الخاصة. لم يغن العاصمة من علُ تراثي، ولم يحولها إلى نصب جامد. غناها من الداخل: من الحامة وبلوزداد، من الأزقة الشعبية، من الحديث اليومي، من الضحكة، من موسيقى الأعراس، ومن ذاكرة الجيران. في هذا الغناء لا تكون العاصمة رمزا وطنيا مجردا. تكون حضورا حميما، موجعا أحيانا، ساخرا أحيانا، ومأهولا دائما.

قوة «العاصمة» تكمن في هذا الامتزاج بين الحنان والندم والملاحظة الاجتماعية. تبدو الأغنية كأنها تتحدث عن مدينة، لكنها تتحدث أيضا عما يصيب السكان حين تتغير المدينة أسرع منهم. تسقط الجدران، تنتقل الأحياء، تختفي العلامات القديمة، ترتخي الروابط. ما يسميه العمران تحولا، تترجمه الأغنية إلى فقد محسوس.

لذلك لا تكفي القراءة الكسولة التي تختزل الأمر في الحنين. في الثقافة الشعبية الجزائرية ليس الحنين دائما رفضا للحاضر. قد يكون شكلا من أشكال اليقظة. إنه يقول إن ما يختفي ليس قديما فحسب، بل كان يحمل رابطا اجتماعيا.

الشعبي كذاكرة غير رسمية

عومل الشعبي العاصمي غالبا بوصفه تراثا صوتيا: موسيقى شيوخ، قصائد، أعراس، وتناقل شفوي. هذا صحيح، لكنه غير كاف. ينبغي أن نضيف أن الشعبي كان أيضا أرشيفا اجتماعيا.

حفظ كلمات وحركات وصورا عن المدينة لا تحفظها الوثائق الإدارية. حمل ذاكرة البسطاء من دون أن يحولهم إلى فولكلور. رافق الأعراس والمقاهي والليالي العائلية والرحيل والعودة. في مجتمع لا تترك فيه حيوات كثيرة أثرا مكتوبا، تصير الأغنية أحيانا السجل الوحيد المتاح.

ينتمي مسكود إلى هذه السلالة. ليس بصفته وارثا لنوع موسيقي فقط، بل كناقل لحساسية حضرية. أعماله لا تختزل في أداء الريبرتوار. يذكر ملف المصدر أنه كتب ولحن وتنقل بين الأغنية والإذاعة والتلفزيون والسينما والمسرح. هذه التعددية تقول شيئا عن جيل من الفنانين الشعبيين لم يفصل بدقة بين الخشبة والشارع والإعلام والحي. كانوا يأتون من عالم لم تكن فيه الثقافة محبوسة بعد في خانات الصناعة الثقافية.

لم يكن الشعب هناك جمهورا مستهدفا. كان الوسط نفسه الذي تنبت فيه الأغنية.

مدينة مغناة ومدينة متنازع عليها

في تلقي «يا دزاير يا العاصمة» توتر يجب أخذه بجدية. سمع البعض في الأغنية نقدا اجتماعيا موجها بطريقة ملتبسة، أو شكوى من تحولات ديمغرافية عرفتها العاصمة. هذه القراءة موجودة وينبغي ذكرها بحذر. لكن اختزال مسكود في هذا الجدل يفتقر إلى الإنصاف.

ما تعرضه الأغنية أعمق من ذلك: قلق مدينة تتفكك أمام من أحبوها. السؤال ليس من له الحق في السكن في العاصمة. السؤال الحقيقي هو ماذا تصير المدينة حين تذوب أشكال التضامن، إيقاعات الحياة الشعبية، والعلامات المشتركة تحت ضغط تحولات لا يتحكم فيها أحد فعلا.

العاصمة الجزائرية ظلت طويلا مكان وعد وعنف رمزي في آن واحد. تجذب وتطرد، تصنف وتمحو، تجمع الدولة والإدارة والأحلام الاجتماعية والإهانات كذلك. لذلك فغناء العاصمة ليس غناء مدينة فقط، بل غناء علاقة بالسلطة والمركز والذاكرة والانتماء.

حمل مسكود ذلك من دون خطاب نظري. وهنا تكمن قوته السياسية الهادئة. الأغنية لا تعلن برنامجا، لكنها تحفظ تجربة حية.

فقدان صوت مألوف

ينتج موت الفنان الشعبي دائما سوء فهم. تتحدث التعازي الرسمية عن التراث والفنان الكامل والرمز. يتحدث المقربون عن رجل وضحكة وخلق وحضور. أما الجمهور فيفقد شيئا أصعب على الصياغة: صوتا مرتبطا بذكريات شخصية.

أغنية سمعت في بيت. لازمة رددت في سيارة. شريط قديم. عرس. مذياع. أب يدندن. مدينة تُرى من شرفة. يبدأ التراث غالبا من هنا، قبل الندوات والتصنيفات والاحتفالات.

لذلك ينبغي الحذر من التراثنة المتأخرة. فهي تأتي غالبا حين يصمت الصوت، حين يتعب الجسد، وحين يكون الفنانون الشعبيون قد حملوا وحدهم الذاكرة لعقود. قد تكون صادقة، لكنها قد تحيد الأثر أيضا. تحويل العمل إلى أيقونة قد يمنعه أحيانا من الاستمرار في الإزعاج.

ومسكود لا يزال يزعج بلطف. يذكر بأن للمدينة الشعبية شعراءها، وأن الثقافة العاصمية لا تختصر في واجهات رسمية، وأن ذاكرة الجزائر العاصمة ليست ملكا للمقاولين والإدارات وخطب المناسبات. إنها أيضا ملك من غنوها من داخل جراحها.

ما تحفظه الأغنية حين تنسى المدينة

يفتح رحيل عبد المجيد مسكود سؤالا أوسع: ماذا نفعل بالأرشيف الشعبي؟ ليس فقط التسجيلات والصور والفيديوهات، بل الأصوات والحكايات والحركات واللهجات وقصص الأحياء والريبرتوار العائلي والنكت التي لا يصنفها أحد ويفقدها الجميع في النهاية.

سياسة ثقافية جديرة بهذا الاسم لا تكتفي بتكريم الفنانين عند رحيلهم. ينبغي أن توثق وتنقل وتحقق وتنشر وتتيح وتعيد إسماع. ينبغي أن ترى في الأغنية الشعبية معرفة بالمجتمع، لا زينة جانبية للروح الوطنية.

هذا ما يتركه مسكود كشرط ومسؤولية. صوته يذكر بأن المدينة لا تموت فقط حين تسقط مبانيها. تفتقر أيضا حين تنقطع ذاكراتها الشعبية عن النقل.

فقدت الجزائر العاصمة صوتا. لكن هذا الصوت يترك مسؤولية: ألا تتحول «العاصمة» إلى أغنية حداد فقط. ينبغي أن تبقى، في أفضل ما كانت عليه، دليلا مغنى على أن الشعب يحفظ أحيانا ذاكرة المدن أفضل من المؤسسات المكلفة بحمايتها.

المصادر المستخدمة

  • الصحافة: El Watan، «Abdelmadjid Meskoud n’est plus : El Assima orpheline»، 16 ماي 2026.
  • مصدر مؤسساتي منقول صحفيا: رسالة تعزية الرئيس عبد المجيد تبون إلى عائلة الفنان كما أوردتها El Watan.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ