غزة: حرب الأهداف والحصائل
في غزة، لا تبدأ المعركة عند لحظة الانفجار ولا تنتهي عند انتشال الجثث. تبدأ مع تسمية المكان، ثم تسمية الهدف، ثم تسمية القتلى. بين بيان عسكري وحصيلة طبية وتقرير أممي، تنفتح حرب ثانية: حرب على المعنى.
تقول الجيوش إن ضرباتها دقيقة، وإنها تستهدف قيادات أو بنى عسكرية. تقول المصادر الطبية والإنسانية إن المدنيين يدفعون الثمن الأكبر. وبين الاثنين تظهر فجوة قاتلة: كيف يمكن للمدني أن يظل مرئيا في لغة الحرب إذا كان كل مكان قابلا لأن يعاد وصفه بوصفه جزءا من مسرح عسكري؟
ما يكشفه النزاع على الحصيلة
ليست الأرقام مجرد أرقام. في الحرب، الرقم هو بداية الاعتراف. من لا يدخل في الحصيلة لا يدخل في الذاكرة. ومن تدخل وفاته في هامش الشك الدائم يبقى معلقا بين الحياة السياسية والموت الإداري.
لذلك يتحول الخلاف حول عدد القتلى، أو حول صفة الموقع المستهدف، إلى آلية مركزية في الحرب الحديثة. فكل طرف يعرف أن السيطرة على الحصيلة تعني السيطرة على مستوى الفضيحة، وعلى ضغط الرأي العام، وعلى إمكانية تحريك القانون الدولي.
لكن الخطر لا يكمن فقط في كذب محتمل أو مبالغة محتملة. الخطر الأكبر هو أن يصبح الشك المنهجي في الضحايا طريقة لإلغاء الضحايا. حين يطلب من الجرحى والقتلى أن يثبتوا، فوق موتهم، أنهم لم يكونوا جزءا من هدف عسكري، يكون القانون قد انقلب إلى عبء على الضحية.
النقطة السياسية والقانونية
القانون الدولي الإنساني لا يحظر كل فعل عسكري، لكنه يضع قيودا واضحة: التمييز، التناسب، الحيطة، وحماية المدنيين. غير أن هذه المبادئ لا تعيش في الفراغ. إنها تحتاج إلى معلومات قابلة للتحقق، وإلى مساءلة، وإلى إرادة سياسية لا تجعل الحليف فوق الفحص.
في غزة، تظهر الأزمة الأكبر: الدول التي تكثر من الحديث عن القانون حين يكون الخصم عدوا، تصبح أكثر تحفظا حين يكون الفاعل حليفا. هكذا لا يعود القانون مبدأ عاما، بل يتحول إلى أداة انتقائية.
ليست المعركة حول غزة معركة أرقام فقط. إنها معركة حول من يملك الحق في تعريف المدني، ومن يملك سلطة تسمية الهدف، ومن يستطيع أن يجعل الموت قابلا للتأجيل في نشرات الأخبار. وحين يصبح الاعتراف بالضحية نفسه موضوع تفاوض، تكون الحرب قد تجاوزت الأرض إلى اللغة ذاتها.
المصادر المستخدمة
- الصحافة: Reuters, Associated Press.
- Sources humanitaires : OCHA et OMS يجب التحقق في يوم النشر.



