الصحراء الغربية: حين تسقط الحياد الفرنسي
منذ أن اقترب الخطاب الفرنسي أكثر من المقاربة المغربية لملف الصحراء الغربية، لم يعد ممكنا التعامل مع كلمة الحياد كما لو كانت وصفا بريئا. الحياد في القضايا الاستعمارية أو ما بعد الاستعمارية لا يقاس بما تقوله العواصم عن نفسها، بل بما تختاره حين تتعارض المبادئ المعلنة مع المصالح الاستراتيجية.
في الظاهر، نحن أمام ملف دبلوماسي: بيانات، عبارات محسوبة، إحالات إلى الأمم المتحدة، حديث عن الواقعية والاستقرار. لكن وراء ذلك يظهر سؤال أعمق: كيف تدير قوة أوروبية كبرى إرثها وعلاقاتها ومصالحها حين يكون النزاع في قلب المغرب العربي، وحين يكون لكل كلمة أثر مباشر على علاقاتها مع الجزائر والمغرب؟
ما يكشفه التموضع الفرنسي
لا تكمن المسألة في أن باريس تملك علاقة وثيقة بالرباط. هذا معلوم. المسألة أن فرنسا تريد أن تقدم انحيازها العملي كما لو كان قراءة تقنية للحل الواقعي. هنا يصبح الخطاب الدبلوماسي نفسه أداة لتخفيف ثقل الاختيار السياسي. فحين يقال إن الحكم الذاتي هو الأفق الأكثر جدية، لا يقال فقط إن هناك مقترحا على الطاولة. يقال أيضا إن سقف النقاش ينبغي أن ينحصر داخل هذا المقترح.
هذا التحول يضع الجزائر أمام معادلة مزدوجة. من جهة، يتعلق الأمر بملف تعتبره الجزائر مسألة تصفية استعمار وحق تقرير مصير. ومن جهة أخرى، يتعلق الأمر بعلاقة فرنسية جزائرية مثقلة بملفات الذاكرة والهجرة والتأشيرات والتعاون الأمني والاقتصاد. لذلك لا تظهر الصحراء الغربية كملف منفصل، بل كاختبار لقدرة باريس على عدم تحويل علاقاتها المغاربية إلى لعبة توازن مائل.
النقطة الاستراتيجية
الصحراء الغربية ليست فقط أرضا متنازعا عليها في بيانات الأمم المتحدة. إنها عقدة إقليمية تربط القانون الدولي بالبحر الأطلسي، وبالعمق الصحراوي، وبموازين القوة بين الجزائر والمغرب، وبالرهانات الأوروبية في الهجرة والطاقة والأمن. لذلك فإن أي تموضع فرنسي لا يبقى محصورا في الجملة الدبلوماسية. إنه يعيد ترتيب الرسائل الموجهة إلى المنطقة كلها.
من هنا خطورة الحياد حين يتحول إلى كلمة تغطي فعلا سياسيا واضحا. فالدبلوماسية التي تتحدث عن الواقعية قد تكون في الحقيقة تمارس انتقاء سياسيا: ترفع القانون حين يخدم مصالحها، وتعيد تأويله حين يصبح عبئا على حساباتها.
في هذا الملف، لا تسقط فرنسا في خطأ لفظي. إنها تكشف، مرة أخرى، أن الذاكرة الاستعمارية لا تنتهي حين تعلن الدولة أنها تجاوزتها. تنتهي فقط حين تكف عن إدارة المنطقة بمنطق الوصاية والمصالح الموروثة.
المصادر المستخدمة
- الصحافة: El Watan, Reuters, Le Monde.
- المؤسسات: documents et résolutions des Nations unies يجب التحقق قبل النشر.




