جيوسياسة إقليمية

مالي: مجلس الأمن والهجمات وحرب السرديات

مشاركة :
1 دقائق قراءة

الهجمات الأخيرة في مالي ليست عمليات عسكرية فقط. إنها تكشف أزمة سيادة يحاول فيها كل طرف السيطرة على الأرض والخوف ورواية الحرب. لذلك لا تكفي إدانة دولية، حتى عندما تأتي من مجلس الأمن، لفهم ما يجري. الإدانة نفسها تصبح جزءا من معركة أوسع: من يملك وصف العنف؟ من يتكلم باسم الدولة؟ ومن يستطيع القول إنه يحمي السكان؟

في مالي، تفاقمت خلال السنوات الأخيرة طبقات الأزمة: انسحاب بعثة الأمم المتحدة، انتقال السلطة إلى الحكم العسكري، تراجع نفوذ فرنسا، صعود شراكات أمنية جديدة، واتساع عمليات جماعات مسلحة في الشمال والوسط وحول المحاور الحيوية. في هذا السياق، لا تكون اللغة الدبلوماسية بريئة. إنها محاولة لإعادة تثبيت معنى، حين يصبح الميدان نفسه غير مستقر.

الإدانة لا تستعيد الأرض

عندما يدين مجلس الأمن هجوما، فهو يسجل موقفا. لكن تسجيل الموقف لا يعيد فتح طريق، ولا يحمي قرية، ولا يعيد الثقة بين السكان والسلطة. هذه هي حدود الدبلوماسية في مسرح انسحبت منه أدوات مراقبة كثيرة بعد نهاية MINUSMA. فالأمم المتحدة تستطيع أن تسمي وأن تدين، لكنها لم تعد تملك في مالي نفس القدرة المباشرة على الرصد أو الوساطة أو الحضور الميداني.

هذا الفراغ يترك المجال لحرب سرديات. السلطة تؤكد أنها تدافع عن السيادة وتواجه الإرهاب. الجماعات المسلحة تقدم نفسها كقوة قادرة على ضرب الدولة. الحلفاء الخارجيون يقرأون الميدان من زاوية النفوذ. السكان، في النهاية، يعيشون تحت ضغط الخوف والشك والعقاب الجماعي المحتمل.

السيادة تحت الضغط

تتمسك السلطة المالية بخطاب السيادة. وهذا الخطاب يجد جزءا من شرعيته في تاريخ طويل من التدخلات والفشل الدولي. لكن السيادة لا تقاس فقط بالقدرة على طرد قوة أجنبية أو تغيير شريك أمني. تقاس أيضا بقدرة الدولة على حماية السكان، ضمان العدالة، فتح الطرق، وتأمين العيش اليومي.

حين تتكرر الهجمات وتتوسع مناطق الخطر، يصبح خطاب السيادة نفسه موضوع اختبار. هل تستطيع الدولة أن تبسط سلطة لا تختزل في القصف والحواجز؟ هل تستطيع أن تعيد بناء علاقة ثقة مع المجتمعات المحلية؟ هل تملك رواية تتجاوز بيان النصر والخيانة؟

الحرب المعلوماتية كجبهة

في النزاعات الساحلية، صار الخبر نفسه ساحة قتال. حصيلة الهجوم، هوية المسؤولين، طبيعة الهدف، عدد الضحايا، وحتى أسماء القرى، كلها مواد متنازع عليها. لذلك لا يمكن للصحافة أن تنقل لغة أي طرف كما هي. كل توصيف يحتاج إلى نسبة، وكل حصيلة تحتاج إلى مصدر، وكل إعلان انتصار يحتاج إلى تحقق.

هذه ليست حيادية باردة. إنها شرط أخلاقي في حرب يختلط فيها الأمن بالدعاية. فالكلمات قد تتحول إلى سلاح: «إرهابي»، «خائن»، «متعاون»، «مرتزق»، «عميل». استعمالها من دون تحقق يوسع دائرة العنف الرمزي وقد يمهد لعنف مادي.

ما بعد البيان

تكشف مالي اليوم مأزق النظام الإقليمي كله. فالدولة تريد سيادة كاملة، لكنها تواجه عنفا عابرا للحدود. المؤسسات الدولية تدين، لكنها محدودة. الجماعات المسلحة تضرب، لكنها لا تقدم أفقا سياسيا جامعا. والمجتمعات المحلية تدفع الكلفة الأشد.

في مثل هذا السياق، لا يكفي أن يسجل مجلس الأمن قلقه أو إدانته. السؤال هو ما الذي يبقى بعد البيان: هل توجد قدرة على حماية المدنيين؟ هل توجد قناة سياسية؟ هل توجد عدالة تحاسب الانتهاكات أيا كان مصدرها؟

من دون ذلك، تتحول الإدانة إلى وثيقة أخرى في أرشيف حرب طويلة. أما الميدان فيبقى حيث هو: بين سلطة تبحث عن شرعية، جماعات تبحث عن توسع، وسكان يبحثون قبل كل شيء عن النجاة.

المصادر المستخدمة

  • الصحافة: Sahara Medias، مادة أرشيفية حول مالي ومجلس الأمن.
  • الصحافة: Le Monde Afrique وThe Guardian، مواد سياقية حول الأزمة الأمنية والسياسية في مالي سنة 2026.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ