عيد الأم: الحميمي حين تلتقطه السوق
وُلد عيد الأم بوصفه تحية حميمة، ثم صار موعدا تجاريا تقاس فيه المحبة أحيانا بما يُشترى. هذا التحول لا يقول شيئا عن التجارة وحدها، بل عن قدرة السوق على دخول أخصّ الإيماءات العائلية.
القصة معروفة لكنها تستحق التذكير. ففي الولايات المتحدة دفعت آنا جارفيس، مطلع القرن العشرين، بفكرة يوم مخصص للأمهات استلهاما لذكرى والدتها. اعتُرف بالمناسبة رسميا سنة 1914، لكن المرأة التي دافعت عن تكريم شخصي وهادئ وجدت نفسها لاحقا في مواجهة ما صار آلة تجارية: زهور، بطاقات مطبوعة، حلويات وهدايا موحدة. الفكرة التي أرادتها اعترافا صارت سوقا.
ليس الأمر مفارقة طريفة عن امرأة ندمت على اختراع عيد. ما تكشفه هذه السيرة هو قدرة التجارة على امتصاص عاطفة جماعية، ترجمتها إلى منتج، ثم تقديم المنتج بوصفه الشكل الطبيعي للعلاقة. لم يعد المطلوب فقط أن تتذكر أمك، بل أن تثبت ذلك بشراء شيء.
الهدية دليلا اجتماعيا
في كثير من العائلات لا أحد ينخدع تماما. يعرف الناس أن باقة ورد لا تختصر علاقة، وأن عطرا لا يصلح غيابا، وأن غداءً مرتجلا لا يعوض سنة من التعب. ومع ذلك توجد الضغوط: واجهات المحلات، الإعلانات، الرسائل القصيرة، عروض التوصيل، والمنشورات التي تُعرض فيها العاطفة على الشبكات الاجتماعية.
العيد لا يخلق الحب. لكنه يخلق موعدا لظهوره. وعندما يصبح الرابط مطالبا بالظهور، يبحث عن شكل مقبول اجتماعيا. السوق يقدم هذا الشكل جاهزا: غرض، خدمة، حجز، توصيل، وصورة قابلة للنشر.
هنا يتحول عيد الأم إلى واقعة اجتماعية. إنه لا يتحدث عن الأمهات فقط، بل عن الأبناء الكبار، العائلات المتباعدة، الوقت الضيق، الذنوب الصغيرة المتراكمة، والإيماءات التي لم تُفعل خلال السنة وتحاول أن تتكثف في يوم واحد. التجارة لا تصنع هذه الذنوب، لكنها تعرف كيف تنظمها وتضع لها سعرا وعلبة.
المشكلة ليست أن تتلقى أم زهورا. المشكلة تبدأ حين تصبح الهدية التجارية الدليل المنتظر على العاطفة، وحين يبدو غياب الشراء كأنه غياب للمحبة. عندها لا تكتفي السوق بمرافقة المناسبة، بل توزع علامات الحنان الشرعية.
أمهات محتفى بهن ونساء مثقلات
ثمة تناقض أعمق. عيد الأم يحتفي بالأمهات لكنه نادرا ما يتحدث عن العمل الحقيقي الذي يحملنه: الرعاية، الطبخ، متابعة الدراسة، المواعيد الطبية، الحسابات المنزلية، القلق اليومي، ومساندة الصغار والكبار. يوم من الاحتفاء يغطي أحيانا سنة كاملة من العمل غير المرئي.
لذلك لا ينبغي لنقد التسليع أن يحتقر العائلات الشعبية التي تشتري هدية. بالنسبة إلى كثيرين، الهدية طريقة بسيطة وصادقة وإن كانت محدودة لقول شكرا. السؤال ليس في إدانة الهدية، بل في معرفة لماذا نحتاج إلى عيد تجاري كي نعترف بما ينبغي أن يُعترف به طوال العام.
الهدية قد تكون تعويضا رمزيا. لكنها تصبح فاضحة عندما تحل محل كل إصلاح مادي: تقاسم العمل المنزلي، خدمات عمومية، حضانات، نقل، دخل كريم، واعتراف اجتماعي بعمل الرعاية.
السوق يعرف كيف يبيع الحنان. لكنه لا يعرف كيف يخفف حياة النساء. هنا تكمن المسافة بين الاحتفاء بالأمهات وأخذ ما يحملنه على محمل الجد.
المصادر المستخدمة
- BBC Afrique، مادة أرشيفية حول آنا جارفيس وعيد الأم
- Time، مواد تاريخية حول آنا جارفيس وتسليع المناسبة




