البناء الطويل: من غاودي إلى فوياجر، درس الزمن السياسي
تبدو ساغرادا فاميليا وفوياجر كأنهما تنتميان إلى عالمين: كنيسة حجرية في برشلونة، ومسبار أطلق إلى الفضاء سنة 1977. ومع ذلك تقولان الشيء نفسه: المجتمعات القوية تعرف كيف تبني خارج عمرها. تترك للزمن عملا ينجو من الرجال والحكومات والموضات.
هناك أعمال تهين الحاضر. ليس لأنها كاملة، بل لأنها تجبر المجتمعات على قياس نفسها بالزمن الطويل. ساغرادا فاميليا، التي بدأت في القرن التاسع عشر واستمرت بعد موت غاودي بزمن طويل، تنتمي إلى هذه الفئة. وفوياجر أيضا. أطلق المسبار سنة 1977 لمهمة محدودة، وما زال يرسل بيانات بعد قرابة نصف قرن. حجر وفضاء، عمارة وهندسة، إيمان وعلم: قصتان مختلفتان وانضباط داخلي واحد.
هذه الأعمال تقول إن الحضارة لا تختزل فيما تستهلكه أو تعلنه أو تدشنه. إنها تقاس بما تستطيع نقله. مات غاودي قبل اكتمال مشروعه. وكان مهندسو فوياجر يعرفون أن جسمهم قد يتجاوز أعمارهم. في الحالتين، لا ينتمي العمل إلى أصحابه فقط. يصبح سلسلة. كل جيل يتلقى جزءا، يفهمه، يصححه، ويواصله.
هذا الدرس يخص الجزائر. فالبلد يعاني علاقة مريضة بالزمن. يحتفي بالأصول بسهولة، لكنه يجد صعوبة في تنظيم الاستمرارية. يدشن مشاريع، ثم يتركها تضيع في الإجراءات. يعلن خططا، ثم ينسى التقييم. يستدعي الذاكرة، لكنه يحافظ غالبا على تاريخ رسمي فقير. يتحدث عن العلم، لكنه يحبس الباحثين في جامعات ضعيفة التمويل. يتحدث عن الشباب، لكنه ينقل إليهم الانتظار أكثر من أي شيء آخر.
الزمن الطويل ليس حنينا. إنه منهج. يحتاج إلى أرشيفات مفتوحة، ومدارس صلبة، ومؤسسات مستقرة، ومهن محترمة، وميزانيات متابعة، وباحثين أحرار، وحرفيين مكونين، ومدن مفكر فيها، ومواقع محمية، ومكتبات حية، ومتاحف صارمة. يحتاج خصوصا إلى شيء نادر: قبول ألا نجني دائما ما نزرعه بأنفسنا.
هنا ربما تكمن أعمق نقاط ضعف الدولة المسيرة بمنطق المدى القصير. إنها تريد إعادة كل شيء إلى الإمضاء، والمرسوم، والحفل، والعهدة، والولاء الفوري. لكن الأعمال الكبرى تفلت من هذه الزمنية. مكتبة وطنية جديرة بالاسم لا تبنى لموسم سياسي. سياسة آثار لا تقاس بصورة حفر. جامعة لا تصير مكان معرفة لأن خطابا أعلن ذلك. شبكة سكك حديدية، ومدرسة عمومية، وذاكرة وطنية، وثقافة علمية تحتاج إلى صبر مؤسسي.
قد تبدو المقارنة بعيدة. لكنها ليست كذلك. حين يستمر مسبار صمم بتكنولوجيا تبدو اليوم بدائية في الكلام من أطراف النظام الشمسي، فإنه يذكر بأن الذكاء ليس في القوة الخام فقط. الذكاء في الدقة، والاقتصاد، والاستباق، والصيانة، والتوثيق، والفريق، والنقل. هذه صفات لا تتحدث عنها دولنا كثيرا لأنها لا تصور بسهولة.
وحين تعبر كنيسة الحروب والجدالات والأجيال، فإنها تذكر بأن التراث ليس ديكورا جامدا. إنه يعيش بالأفعال التي تواصله. تملك الجزائر تراثا أوسع بكثير مما تسمح به سرديتها الرسمية. لديها طبقات تاريخية قادرة على تغذية خيال جمعي واسع. لكن يجب التعامل معها كثراء مشترك، لا كمادة تطوع لرواية اللحظة.
البناء الطويل يعني رفض سياسة المحو. يعني القول إن الطفل المولود اليوم يجب أن يرث شيئا آخر غير بلد متعب من تنازلاته. يعني فهم أن الحداثة لا تتمثل في استيراد كلمات المستقبل، بل في خلق شروطه المادية. ويعني أيضا قبول أن الذاكرة ليست مطيعة. الذاكرة الحية تعارض، وتدقق، وتزعج، وتوسع.
الزمن بنية تحتية. المجتمعات التي تعرف ذلك تبني كاتدرائيات ومسابير ومدارس وشبكات ومكتبات. أما التي تنساه فتضاعف الإعلانات وتشيخ بسرعة. لا تحتاج الجزائر إلى أن تحلم بنفسها أبدية. تحتاج إلى أن تصبح قادرة على الدوام من جديد.
ليلى تزروت
المصادر المستخدمة
- الصحافة : BBC Afrique, article sur Gaudí et la Sagrada Familia.
- الصحافة : BBC Afrique, article sur Voyager.
- الصحافة : Algérie Eco, article sur la création d’un Haut Conseil des scientifiques et d’une Agence nationale d’archéologie.
- الصحافة : MaliActu, article sur les innovations africaines à VivaTech 2026.




