السياسة الجزائرية

السيادة في الواجهة

مشاركة :
1 دقائق قراءة

موانئ يجري تحديثها، مليارات معلنة في قطاع الطاقة، وتجاذب متواصل حول الهجرة مع باريس: تعرض الجزائر سيادة أكثر هجومية في خطابها السياسي. لكن السيادة ليست واجهة. إنها تُقاس في الأرصفة، والأنابيب، وسلاسل القيمة، والاتفاقيات الدولية، والإدارات، وفي القدرة الفعلية على تخفيف التبعيات لا الاكتفاء بتسميتها.

تحب الدولة الجزائرية أن تتحدث عن السيادة. الكلمة حاضرة في الاقتصاد، والطاقة، والدبلوماسية، والذاكرة، والعلاقة مع فرنسا. وهذا ليس وهما. فبلد خرج من حرب استعمارية لا يمكنه أن يتعامل مع السيادة كفكرة مجردة. لكن هناك سيادة تُعلن في الخطاب، وسيادة تُثبتها القدرة. الأولى تظهر في البيانات. الثانية تظهر في الموانئ، والمصانع، والسكك الحديدية، وعقود الطاقة، وهوامش التفاوض، وصلابة البنية الإنتاجية.

هنا يصبح المشهد الجزائري كاشفا. على الورق، تبدو عدة مؤشرات متجهة نحو استعادة المبادرة: تحديث الموانئ، مخططات استثمارية كبرى لسوناطراك، رغبة في مراجعة اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، ورفض الوقوع في الإطار الفرنسي الضيق للنقاش حول اتفاق الهجرة لسنة 1968. اللغة الرسمية هي لغة استرجاع القرار. لكن هذه اللغة تصطدم بسؤال بسيط: ما قيمة السيادة إذا ظلت مرتبطة بالريع، والأسواق الخارجية، والتكنولوجيا المستوردة، وممرات لوجستية غير متحكم فيها بما يكفي؟

الموانئ، الحقيقة المادية للدولة

الميناء ليس مجرد تجهيز. إنه حدود اقتصادية، وجهاز رقابة، ومكان تلتقي فيه الدولة بالتجارة العالمية. في بلد لا يزال يستورد جزءا كبيرا من تجهيزاته ومدخلاته وبعض السلع الأساسية، لا يمكن اعتبار السيادة المينائية مسألة ثانوية. فهي تحدد آجال العبور، والكلفة، وسلاسة التجارة الخارجية، والقدرة على تصدير ما هو أبعد من المحروقات، وإمكانية التحول إلى فضاء عبور إقليمي.

لذلك يجب أخذ إعلانات الاستثمار في الموانئ بجدية، لا كحقائق مكتملة. تحديث الأرصفة، وربط الموانئ بالسكك الحديدية، وتقليص البيروقراطية الجمركية، وتحسين اللوجستيك، وتأمين التدفقات، كل ذلك ليس بناء فقط. إنه طريقة في الحكم. تستطيع الجزائر أن توسع قدراتها المينائية، لكن إذا بقيت الموانئ عالقة في البطء الإداري، والاحتكارات، والغموض في القرار، وضعف النسيج المنتج الموجه للتصدير، فإن التحديث سيبقى واجهة.

ميناء بجاية، الذي أظهرت الصحافة الاقتصادية ارتفاعا في بعض صادراته مع بداية 2026، يقدم مؤشرا مفيدا: توجد هوامش حركة. لكن ارتفاعا ظرفيا لا يصنع نموذجا جديدا. السؤال ليس هل يمكن للجزائر أن تصدر أكثر في بعض القطاعات. السؤال هو هل تستطيع أن تجعل من الموانئ أدوات لسياسة إنتاجية متماسكة: صناعة محلية، تحويل، قيمة مضافة، مؤسسات مصدرة، معايير، تمويل، ونقل داخلي. من دون ذلك، يصبح الميناء أداة لإدارة التبعية لا لتفكيكها.

الطاقة تمنح وزنا، لا تمنح الاستقلال

تبقى سوناطراك القلب المادي للدولة الجزائرية. مخطط 2026-2030، المبني حول الاستكشاف والتكرير والبتروكيمياء والتحويل المحلي، يجيب عن ضرورة واضحة: تجديد الاحتياطيات، الحفاظ على القدرة التصديرية، تقليص بعض الواردات، والتقاط قيمة أكبر داخل البلاد. وفي عالم تبحث فيه أوروبا عن تقليص اعتمادها على الغاز الروسي وتنويع مصادرها، تملك الجزائر رافعة حقيقية.

لكن لهذه الرافعة حدودا. الطاقة تمنح ثقلا دبلوماسيا، لكنها لا تنتج آليا استقلالا اقتصاديا. الريع يسمح بتمويل الدولة، وشراء السلم الاجتماعي، ودعم الواردات، وحماية التوازنات المالية الكبرى. لكنه لا يخلق وحده اقتصادا متنوعا. وقد يؤخر التحول حين يعطي الانطباع بأن السيادة قد تحققت لأن باطن الأرض لا يزال يدر المال.

البتروكيمياء والتكرير مساران جديان. لكنهما يطرحان سؤالا سياسيا: من يتحكم في القيمة المضافة؟ من يملك التكنولوجيا؟ من يوفر التجهيزات؟ من يربح الأسواق؟ ومن يحدد الأولويات بين تصدير الغاز، والاستهلاك الداخلي، والتصنيع، والانتقال الطاقوي، والحاجات الاجتماعية؟ ما دامت هذه الأسئلة محصورة داخل دوائر ضيقة من الجهاز، تبقى السيادة الطاقوية عمودية: تأتي من الدولة، وتنزل نحو المجتمع، لكنها لا تغير بالضرورة البلاد الواقعية.

الجزائر لا تفتقر إلى الموارد. ما تفتقر إليه هو انتقال مستدام من الريع إلى الإنتاج. وهذا الانتقال لا يتم بقرار إداري. إنه يحتاج إلى مؤسسات اقتصادية متينة، وشركات قادرة على الترقية الصناعية، ومدرسة تقنية، وبحث تطبيقي، وموانئ فعالة، وعدالة تجارية موثوقة، وإدارة لا تخنق المبادرة باسم الرقابة.

اتفاق 1968، مسرح فرنسي جزائري

يكشف ملف الهجرة الفرنسي الجزائري وجها آخر لهذه السيادة المتوترة. اتفاق 27 ديسمبر 1968، الذي ينظم تنقل وإقامة وعمل الجزائريين في فرنسا، عاد إلى قلب المعركة السياسية الفرنسية. في 30 أكتوبر 2025، تبنت الجمعية الوطنية الفرنسية قرارا يدعو إلى إنهاء هذا الاتفاق. ويجب الدقة هنا: القرار البرلماني ليس إلغاء قانونيا تلقائيا لاتفاق ثنائي. أثره سياسي، لا تنفيذي مباشر.

لكن الرمز يكفي لتحريك ميزان القوة. في باريس، يتحول اتفاق 1968 إلى هدف سهل داخل سياسة هجرة مهووسة بإظهار الحزم. وفي الجزائر، يقدم كملف سيادي وكإرث ثنائي لا تستطيع فرنسا استعماله كما تشاء. كل طرف يتحدث أمام جمهوره. فرنسا تريد أن تظهر أنها تستعيد السيطرة على حدودها. والجزائر تريد أن تظهر أنها لا تخضع لإملاءات القوة الاستعمارية السابقة.

المشكلة أن الدولتين تتحدثان عن السيادة عبر تحويل أجساد المهاجرين إلى أدوات دبلوماسية. تصاريح المرور القنصلية، الطرد، التأشيرات، الإقامات، الجوازات الدبلوماسية: كل شيء يصبح عملة ضغط. أما المواطن العادي فيختفي خلف الجهاز. الطالب، العامل، العائلة، مزدوج الجنسية، غير النظامي، المتقاعد، كلهم يدخلون في آلية يصبح فيها القانون وسيلة ابتزاز متبادل.

بالنسبة للجزائر، الملف غير مريح. تستطيع رفض الضغط الفرنسي، لكنها لا تستطيع تجاهل أن حركة جزء من مواطنيها ما زالت مرتبطة بجهاز ثنائي موروث. تستطيع إدانة التوظيف الفرنسي، لكنها لا تستطيع تحويل الهجرة إلى مسألة شرف وطني فقط. حين يبحث جزء من الشباب في الخارج عما لا يوفره له الاقتصاد الوطني، فالمشكلة ليست دبلوماسية وحدها. إنها اجتماعية وإنتاجية وسياسية.

أوروبا، شريك وقيد

يتكرر التناقض نفسه مع الاتحاد الأوروبي. تريد الجزائر مراجعة اتفاق الشراكة الذي دخل حيز التنفيذ سنة 2005، باسم اختلال تجاري وصناعي. وهذه ملاحظة جدية: الانفتاح التجاري لم ينتج التنويع الموعود. بل كرس في الغالب علاقة غير متكافئة، حيث تصدر الجزائر الطاقة أساسا، وتستورد المنتجات المصنعة، والتجهيزات، والتكنولوجيا، والسلع الاستهلاكية.

لكن طلب المراجعة لا يكفي. فتح الاتحاد الأوروبي في 2025 مسار تسوية خلافات ضد الجزائر بسبب قيود على التجارة والاستثمار. هنا أيضا يكشف النزاع توترا بنيويا: الجزائر تريد حماية سوقها، ودعم إنتاجها، ومراقبة وارداتها. بروكسل تدافع عن قواعد اتفاق تعتبره ملزما. خلف اللغة القانونية توجد معركة حول الحق في التنمية الصناعية.

لذلك لا يكفي السؤال عما إذا كان على الجزائر أن تصمد أمام أوروبا. السؤال هو: بأي أدوات تفعل ذلك؟ قد تحمي قيود الاستيراد السوق مؤقتا. لكنها قد تغذي الندرة، والريع الإداري، والمحاباة، والقنوات الغامضة إذا لم ترافقها استراتيجية إنتاج فعلية. السيادة لا تعني الإغلاق من أجل الإغلاق. تعني إنتاج ما تدعي الدولة أنها تريد تعويضه، وتكوين الكفاءات، وتمويل المؤسسات، والتصدير، ومراقبة الاحتكارات، وتقديم الحساب.

السلطة تفضل السيادة المُدارة

الخيط المشترك بين الموانئ والطاقة والهجرة وأوروبا هو الآتي: تملك الجزائر سيادة سياسية قوية، لكنها لم تُكمل بعد سيادتها الإنتاجية. الدولة تعرف كيف تقول لا. تعرف كيف توقف، وتبطئ، وتفاوض، وتعلق، وتمركز. وتعرف كيف تحول السيادة إلى وضعية مقاومة. لكنها لا تزال تجد صعوبة في تحويلها إلى قدرة اجتماعية موزعة.

السيادة الحقيقية لا تنحصر في الجهاز. إنها تفترض أن تخدم الموانئ المنتجين، وأن تمول الطاقة التحول، وأن تكف الهجرة عن كونها صمام خروج للشباب، وأن تُراجع الاتفاقيات الدولية ضمن مشروع صناعي واضح، وأن لا يبقى المواطنون متفرجين على دبلوماسية يدفعون هم كلفتها.

يحب النظام الجزائري أن يضع الكرامة الوطنية في مواجهة الضغوط الخارجية. وهذه الكرامة ضرورية. لكنها تصبح هشة حين تخفي التبعيات الداخلية: اقتصاد ريعي، بيروقراطية ثقيلة، إنتاج ضعيف، مركزية مفرطة، وغياب شفافية في الاختيارات الكبرى. السيادة لا تثبت فقط ضد باريس أو بروكسل. تثبت أمام الجزائريين، في عملهم، وبناهم التحتية، وتنقلهم، وقدرتهم على العيش من دون أن يقرر سعر الغاز مستقبلهم.

واجهة السيادة مرئية. أما التبعيات فهي في الكابلات، والأرصفة، والعقود، والتأشيرات، والتوربينات، والسكك الغائبة، وسلاسل القيمة غير الموجودة. هناك، لا في الخطاب، يلعب ميزان القوة الحقيقي.

Karim Medjani

المصادر المستخدمة

  • Assemblée nationale française : séance du 30 octobre 2025 sur la proposition de résolution visant à dénoncer les accords franco-algériens de 1968.
  • Dalloz Actualité : analyse de la résolution adoptée le 30 octobre 2025 sur les accords franco-algériens.
  • Le Monde : couverture de la crise franco-algérienne autour de l’accord migratoire de 1968.
  • APS : informations sur le plan d’investissement Sonatrach 2026-2030.
  • Agence Ecofin / La Tribune Afrique : données sur le plan de développement de Sonatrach et le contentieux UE-Algérie.
  • Commission européenne, Access2Markets : Accord d’association UE-Algérie.
  • TSA Algérie et Maghreb Emergent : informations économiques sur les investissements portuaires et les exportations via les ports algériens.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ