دولي

القانون تحت العقوبات

مشاركة :
1 دقائق قراءة

في غزة ولبنان وحول إيران، لم يختف القانون الدولي. إنه يُستدعى، ويُلتف عليه، ويُعاقَب من يحاول تفعيله، ويُستخدم كسلاح سياسي. وهذه بالضبط هي العلامة الأوضح على الأزمة الحالية : النظام القانوني قائم، لكن تطبيقه لا يزال مشروطاً بميزان القوة أكثر مما هو مشروط بعمومية القاعدة.

قدّم شهر أيار/مايو 2026 مشهداً يكاد يكون تعليمياً. في غزة، قُتل فلسطينيون في ضربات إسرائيلية رغم وقف إطلاق نار قُدّم باعتباره قائماً لكنه هش. في لبنان، مددت إسرائيل ولبنان وقف إطلاق النار 45 يوماً، في إطار يُفترض أن يضبط المواجهة مع حزب الله، بينما ذكّرت ضربات جديدة بأن الهدنة لا تعني السلام. في لاهاي، اضطرت المحكمة الجنائية الدولية إلى نفي إصدار مذكرات توقيف جديدة في الوضع المتعلق بفلسطين، في إشارة إلى أن القضاء الدولي نفسه صار جبهة إعلامية وسياسية. في بروكسل، استهدف الاتحاد الأوروبي بعض المستوطنين الإسرائيليين ووسّع عقوباته ضد مسؤولين في حماس والجهاد الإسلامي الفلسطيني، من دون أن يتجاوز عتبة القطيعة الاستراتيجية مع إسرائيل. وفي الوقت نفسه، كانت واشنطن وطهران تتفاوضان حول إطار مؤقت مرتبط بوقف إطلاق النار ومضيق هرمز، من دون اتفاق نهائي مؤكد.

إذا أُخذت هذه الوقائع منفصلة، بدت كأنها ملفات مختلفة. لكن قراءتها معاً ترسم خريطة أشد قسوة : شرق أوسط تستمر فيه الحرب بلغة قانونية، وتحل فيه العقوبات غالباً محل المسؤولية، ويتحوّل فيه وقف إطلاق النار من مخرج من الأزمة إلى أداة لإدارة كثافة العنف.

غزة : وقف إطلاق النار كخيال إداري

في غزة، لم تعد عبارة “وقف إطلاق النار” كافية لوصف الواقع. فقد أوردت رويترز، في 10 أيار/مايو 2026، أن ضربات إسرائيلية قتلت ثلاثة فلسطينيين على الأقل، وفق مسؤولين طبيين، في سياق قُدّم كاختبار لوقف إطلاق نار تم التوصل إليه برعاية أميركية. اللغة الدبلوماسية تقول : هدنة، خطة، تنفيذ، مرحلة لاحقة. أما الأرض فتقول شيئاً آخر : قتلى، نزوح، سيطرة عسكرية، مساعدات غير كافية، ووصول إنساني مقيّد.

تؤكد تقارير أوتشا الإنسانية حقيقة مركزية : الكارثة ليست فقط نتيجة القصف السابق، بل تستمر عبر تفتيت الإقليم، وتعطيل الوصول إلى الإسعاف، وتدمير البنى التحتية، واستنزاف القدرات الإنسانية. المساعدة تنقذ أرواحاً، لكنها لا تعيد بناء مجتمع. إنها تبقي الأجساد على قيد الحياة داخل فضاء تُضيَّق فيه شروط الحياة السياسية والاجتماعية بصورة منهجية.

هنا يصبح القانون مرئياً من خلال عجزه. قواعد حماية المدنيين، والوصول الإنساني، والتناسب، والتمييز بين المقاتلين وغير المقاتلين، موجودة. ليست مجهولة لدى الدول ولا الجيوش ولا الدبلوماسيات الغربية. لكن تطبيقها يتوقف عند عتبة سياسية : متى تصبح المخالفة المزعومة قابلة للعقاب ؟ من يحدد الكلفة ؟ ومتى يتحول الدعم العسكري أو الدبلوماسي أو التجاري إلى تواطؤ سياسي ؟

يبقى الرد الأوروبي مجزأً. فقد عبّر مجلس الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي، في 11 أيار/مايو، عن قلق عميق إزاء الأزمة الإنسانية في غزة وتعثر تنفيذ الخطة المرتبطة بالقرار 2803. لكن هذا القلق المؤسسي لا ينتج تلقائياً علاقة ضغط. يعرف الاتحاد الأوروبي كيف يسمّي الأزمة. لكنه يتردد في تحويل هذا التشخيص إلى رافعة متماسكة.

المحكمة الجنائية الدولية : قانون تحت رقابة سياسية

نفي المحكمة الجنائية الدولية في 17 أيار/مايو 2026 مهم تحديداً لأنه بدا تقنياً. فقد نفت المحكمة إصدار مذكرات توقيف جديدة في الوضع المتعلق بفلسطين بعد معلومات نشرتها صحافة إسرائيلية. الواقعة الخام بسيطة : لا مذكرات جديدة في ذلك التاريخ. لكن الحلقة تقول أكثر من ذلك. إنها تُظهر أن العدالة الدولية لم تعد تعمل فقط داخل قاعات المحاكم. إنها تعمل تحت ضغط إعلامي ودبلوماسي وسياسي دائم.

منذ أن دخلت المحكمة الجنائية الدولية ملفات تمس حلفاء رئيسيين لقوى غربية، أصبحت هي نفسها هدفاً للاعتراض والعقوبات ونزع الشرعية. الرسالة الموجهة إلى القضاء الدولي قاسية : التحقيق في أعداء معلنين مقبول، أما التحقيق في شركاء استراتيجيين فيصبح موضع شبهة. القانون الجنائي الدولي، الذي بُني بعد كوارث القرن العشرين للحد من إفلات أخطر الجرائم من العقاب، يصطدم بجدار قديم : اللامساواة المادية بين متقاضين ضعفاء ودول محمية.

لذلك يجب الكتابة بحذر. لا يجوز إطلاق توصيفات جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية أو الإبادة كشعارات. هذه توصيفات تعود إلى سلطات قانونية وتقارير موثقة وإجراءات وعناصر مادية وقصدية. لكن الحذر القانوني لا ينبغي أن يتحول إلى تحييد أخلاقي. رفض اختراع توصيف قانوني لا يعني رفض رؤية الوقائع. بل يعني تثبيتها بقوة أكبر لمنع محوها.

لبنان : هدنة تحت الضربات

في لبنان، تختلف المنطقية لكن الآلية تتشابه. أوردت رويترز في 15 أيار/مايو 2026 أن إسرائيل ولبنان قبلا تمديد وقف إطلاق النار 45 يوماً بعد محادثات سهلتها واشنطن. على الورق، تحتوي الهدنة الحرب. في الواقع، تستمر الضربات، وتتقاطع الاتهامات، ويبقى حزب الله في مركز الحساب الأمني الإسرائيلي، ويظل القرار 1701 لمجلس الأمن إطاراً قانونياً يُستدعى باستمرار لكنه لا يُطبّق بالتساوي.

تذكّر اليونيفيل بأن ولايتها تتمثل في دعم تنفيذ هذا القرار ومراقبة انتهاكاته. هذه نقطة أساسية. جنوب لبنان ليس فراغاً قانونياً. بل هو أحد أكثر فضاءات المنطقة تأطيراً قانونياً. ومع ذلك، لا يمنع هذا التأطير الضربات ولا التحليق ولا الردود ولا الانتهاكات المزعومة. القانون يرسم هندسة. أما القوة فتقرر غالباً درجة فعاليتها.

الضربة الإسرائيلية التي أوردتها وكالة أسوشيتد برس في 28 أيار/مايو في الضاحية الجنوبية لبيروت، قرب لحظة دبلوماسية مهمة، تُظهر هذا التوتر. يمكن للتفاوض أن يجري في واشنطن بينما تعيد عملية عسكرية تحديد ميزان القوة على الأرض. القانون يصبح إطاراً للنقاش، لكن الضربة تصبح علامة الترقيم الحقيقية. ليست هذه مفارقة عارضة، بل هي نحو النزاعات المُدارة اليوم.

إيران : تفاوض تحت التهديد وعقوبات مشروطة

يعطي الملف الإيراني لهذا التسلسل عمقه الاستراتيجي. المعلومات المتاحة في أيار/مايو 2026 تشير إلى إطار مؤقت نوقش بين واشنطن وطهران، مع مضيق هرمز والعقوبات النفطية والضمانات النووية ووقف إطلاق النار كموضوعات مساومة. لا شيء، في هذه المرحلة، يسمح بالحديث عن اتفاق نهائي راسخ. يجب أن تبقى المفردات دقيقة : محادثات، إطار، مذكرة، اتفاق مؤقت محتمل، لا معاهدة مستقرة.

إيران ليست غزة، ولبنان ليس إيران. الخلط بينها ينتج خريطة كسولة عن “جبهة إقليمية” واحدة. لكن الملفات تتجاوب. العقوبات على طهران، والضربات في لبنان، والحرب في غزة، وتوازنات الخليج، تشكل نظام ضغط. كل طرف يحاول تحويل جبهة إلى رافعة على جبهة أخرى : إسرائيل بالضغط العسكري، الولايات المتحدة بالعقوبات والتفاوض، إيران بعمقها الإقليمي، الفاعلون المسلحون بقدرة الإرباك، والأوروبيون بلغة معيارية غالباً أقوى من قراراتهم.

هنا تصبح مسألة العقوبات مركزية. يمكن أن تكون العقوبة أداة قانونية، أو وسيلة دبلوماسية، أو عقاباً اقتصادياً، أو إشارة سياسية. لكنها حين تُطبّق بصورة غير متناظرة، لا تعود مجرد آلية للمساءلة. تصبح مقياساً للتراتبية الدولية. بعض الفاعلين يُعزلون، وبعضهم يُذكّرون بالحدود، وآخرون تحميهم فائدتهم الاستراتيجية.

العقوبات الأوروبية المعلنة ضد مستوطنين إسرائيليين أو بنى مرتبطة بالعنف في الضفة الغربية، بالتوازي مع توسيع العقوبات ضد حماس والجهاد الإسلامي الفلسطيني، تكشف هذا الالتباس. إنها تقول إن هناك حدوداً. لكنها تقول أيضاً إن هذه الحدود مضبوطة بعناية. معاقبة أفراد أو كيانات هامشية لا تملك الوزن نفسه الذي يملكه المساس بعلاقة عسكرية أو تجارية أو دبلوماسية مركزية.

القانون ليس ضعيفاً : إنه مُعطّل

الخلاصة السهلة هي القول إن القانون الدولي لا يفيد في شيء. هذا خطأ. تخشاه الدول بما يكفي كي تلتف عليه. تستحضره الجيوش بما يكفي لتبرير عملياتها. تستدعيه الضحايا بما يكفي لتوثيق الجرائم. وتراقبه القوى بما يكفي لمعاقبة أو ترهيب من يريد تطبيقه ضد حلفائها.

ليست المشكلة إذن غياب القانون. المشكلة هي التوزيع السياسي لفعاليته. في غزة، توجد القاعدة الإنسانية لكنها تصطدم بالسيطرة العسكرية والتحالفات. في لبنان، يوجد القرار 1701 لكنه يعتمد على موازين القوة المسلحة. تجاه إيران، تتحول قواعد عدم الانتشار وحرية الملاحة والعقوبات الاقتصادية إلى عملات تفاوض. وفي المحكمة الجنائية الدولية، توجد الإجراءات لكنها تتقدم داخل حقل ملغوم بالضغوط.

ما تكشفه لحظة غزة ولبنان وإيران هو نظام دولي لا ينهار بصمت : إنه يعمل بسرعتين أمام أعيننا. قوي ضد الضعفاء، حذر مع النافعين، متردد أمام الحلفاء، وشرس ضد الخصوم المعلنين. يبقى القانون ضرورياً، لكنه ليس سيداً. يحتاج إلى أدلة وقضاة وتقارير وإجراءات. ويحتاج قبل كل شيء إلى ميزان قوة سياسي يمنع تحويل عالميته إلى ديكور.

ليست الفضيحة أن يُستدعى القانون الدولي. الفضيحة أنه يُستدعى في كل مكان ولا يُطبَّق إلا قليلاً حيث يزعج فعلاً.

Nadir Amrouche

المصادر المستخدمة

  • Reuters : ضربات إسرائيلية في غزة في 10 أيار/مايو 2026، تمديد وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان في 15 أيار/مايو 2026، نفي المحكمة الجنائية الدولية في 17 أيار/مايو 2026، عقوبات أوروبية في 28 أيار/مايو 2026، ومحادثات أميركية إيرانية في أيار/مايو 2026.
  • OCHA : تقارير إنسانية حول الأرض الفلسطينية المحتلة، أيار/مايو 2026.
  • مجلس الاتحاد الأوروبي : اجتماع مجلس الشؤون الخارجية في 11 أيار/مايو 2026.
  • FINUL : ولاية تنفيذ ومراقبة القرار 1701.
  • Associated Press : ضربة إسرائيلية في 28 أيار/مايو 2026 في الضاحية الجنوبية لبيروت.
  • The Guardian وFinancial Times : معلومات 28 أيار/مايو 2026 حول توسيع السيطرة العسكرية الإسرائيلية في غزة.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ