اقتصاد اجتماعي نقدي

أوغوستا والموانئ والأسعار: التشريح المادي لتبعية جزائرية

مشاركة :
1 دقائق قراءة

كان اقتناء سوناطراك لمصفاة أوغوستا يفترض أن يعزز نشاط المصب النفطي. لكن الملف يقول أكثر من ذلك: في اقتصاد ريعي، لا تقاس السيادة بالحقول أو بالحصيلة المحاسبية وحدها. إنها تقاس بسلاسل الإنتاج، والموانئ، والمدخلات، والمعايير، وقطع الغيار، والأسعار التي يدفعها المجتمع.

لا يمكن اختزال ملف أوغوستا في عملية صناعية سيئة الشرح، أو في جدل تسييري، أو في معركة أرقام بين مسؤولين سابقين وخبراء وناطقين باسم سوناطراك. الملف يقول شيئا آخر. إنه يكشف تناقضا مركزيا في الاقتصاد الجزائري: بلد منتج للمحروقات، يملك شركة وطنية قوية ويجلس فوق ريع طاقوي معتبر، ما يزال يعتمد على بنى تحتية، وتكنولوجيات، ومدخلات، ومعايير، وموانئ، وتدفقات بحرية، وأسواق لا يتحكم فيها إلا جزئيا.

من هنا يبدأ السؤال الحقيقي. ليس فقط: هل كلفت أوغوستا أكثر مما يجب؟ هل كان الأصل الصناعي قديما؟ هل تعوض الربحية المعلنة اليوم كلفة الاقتناء والصيانة والمطابقة؟ هذه أسئلة ضرورية، لكنها غير كافية. إنها تحبس النقاش في المحاسبة المباشرة. أما أوغوستا فهي قبل كل شيء كاشف: الجزائر تملك المورد، لكنها لا تملك دائما السلسلة. تستخرج، تصدر، تستورد، تكرر جزئيا، تعوض، تدعم، وتدير. لديها الريع، لكن الريع لا يتحول تلقائيا إلى قوة إنتاجية.

أصل في الخارج لا يعوض سياسة صناعية داخلية

مصفاة أوغوستا في صقلية، التي اقتنتها سوناطراك من Esso Italiana، كان يفترض رسميا أن تعزز نشاط المصب، وتخفض فاتورة استيراد المنتجات المكررة، وتدمج الشركة الوطنية أكثر في الدوائر المتوسطية. على الورق، الحجة ليست عبثية. فالشركة الطاقوية الكبرى لا تكتفي بالاستخراج. إنها تكرر، وتحول، وتنقل، وتسوق، وتؤمن منافذها. المشكلة إذن ليست في أن تشتري شركة وطنية جزائرية أصلا صناعيا في الخارج. المشكلة هي ما يكشفه هذا الشراء عن الاستراتيجية الصناعية الوطنية.

فمصفاة موجودة في إيطاليا ليست مصفاة في سكيكدة أو أرزيو أو حاسي مسعود. إنها تعمل تحت القانون الإيطالي، داخل بيئة معيارية أوروبية، بقيودها البيئية، وتكاليفها الأجرية، ومورديها، وسلاسلها اللوجستية، وأسواقها. قد تخدم مصالح سوناطراك، لكنها لا تعالج آليا عجز التحكم الإنتاجي داخل التراب الوطني. قد تحسن موقعا تجاريا، لكنها لا تعوض استراتيجية صناعية داخلية. قد تحقق رقم أعمال، لكن رقم الأعمال لا يقول وحده معنى السيادة.

لذلك يفرض ملف أوغوستا نقل النظر. السيادة الطاقوية لا تقاس فقط بامتلاك حقل، ولا حتى بالملكية القانونية لمصفاة. إنها تقاس بالقدرة على التحويل المحلي، وصيانة التجهيزات، وإنتاج القطع، والتحكم في المدخلات، وتكوين الكفاءات، ومراقبة التدفقات، وفرض المعايير، وتأمين المنافذ، وتقليص التعرض للصدمات الخارجية. يستطيع اقتصاد ما أن يملك النفط وأن يعتمد على الآلات. يستطيع أن يصدر الغاز وأن يستورد التجهيزات التي تسمح له بمواصلة استخراجه. يستطيع أن يملك الريع وأن يبقى هشا أمام كلفة الشحن، وسعر الدولار، وقرارات الموردين، وقيود الأسواق الأجنبية.

الموانئ كبوابات مادية للتبعية

هنا تدخل الموانئ الجزائرية في التحليل. فهي ليست بنى تقنية محايدة. إنها البوابات المادية للتبعية. أرزيو وسكيكدة وبجاية تركز التدفقات الطاقوية. الجزائر العاصمة ووهران وعنابة وجن جن ومستغانم وبقية الموانئ التجارية تستقبل جزءا أساسيا من السلع، والآلات، والحبوب، وقطع الغيار، والمدخلات الصناعية، والتجهيزات الطبية، والمواد الكيميائية، والمكونات، ومواد الاستهلاك. في اقتصاد منتج، يمكن للميناء أن يكون رافعة للتصنيع. أما في اقتصاد مستورد، فيصبح الرصيف الذي تتراكم عليه التبعية.

لذلك يكون السؤال قاسيا: هل تخدم الموانئ الجزائرية استراتيجية إنتاج، أم تنظم الاستقبال الدائم لما لا يصنعه البلد؟ الحاوية التي تصل إلى الميناء لا تنقل سلعا فقط. إنها تنقل أيضا علاقة قوة. داخلها قد توجد آلة لا تنتجها الصناعة الوطنية، أو قطعة غيار يتوقف المصنع من دونها، أو دواء تأتي مادته الأولية من الخارج، أو تجهيز فلاحي تتوقف عليه الحصيلة القادمة، أو مكون إلكتروني غير متاح محليا، أو مدخل كيميائي تصمت بدونه سلسلة إنتاج كاملة.

التبعية الإنتاجية ليست صيغة مجردة. إنها تحسب بأيام الانتظار في الميناء، وبالعملة الصعبة المعبأة، وبانقطاعات المخزون، وبالكلفة اللوجستية الزائدة، وبالهوامش التي يلتقطها الوسطاء، وبالزيادات التي تنتقل إلى الأسر. إنها ليست صورة بل بنية اجتماعية.

الأسعار تبدأ قبل السوق

لهذا السبب غالبا ما يطرح نقاش الأسعار بطريقة خاطئة. يلام التاجر، والمضارب، والسوق غير الرسمي، وتاجر الجملة، وأحيانا يكون اللوم مبررا. لكن هذه القراءة الأخلاقية للتضخم قصيرة. الأسعار لا ترتفع فقط لأن فاعلين خواص يسيئون استعمال موقعهم. إنها ترتفع أيضا لأن الاقتصاد مكشوف: أسعار القمح عالميا، وأسعار الأسمدة، وكلفة الشحن، وتوفر الحاويات، وسعر الصرف، والتوترات على القطع الصناعية، ودورات المواد الأولية، وقرارات الموردين الأجانب، والتأخر اللوجستي. اقتصاد يستورد قسما كبيرا من مدخلاته يستورد أيضا جزءا من تضخمه.

تبدأ قفة الأسرة إذن قبل سوق الحي بكثير. تبدأ في الموانئ، وعقود الاستيراد، وخطوط التمويل، وتحكيمات العملة الصعبة، والسلاسل البحرية، والمخزونات الاستراتيجية، والقدرة أو العجز عن الإنتاج محليا. سعر الخبز، والزيت، والحليب، والدواء، والأدوات المدرسية، وقطع السيارات، أو الإسمنت لا يسقط من السماء. إنه ينزل من هندسة إنتاجية. وعندما تكون هذه الهندسة مثقوبة، ومدارة إداريا، وتابعة، وضعيفة الاندماج، يدفع المجتمع الثمن.

ليست مأساة الجزائر إذن في التبعية للواردات النهائية فقط. إنها أعمق: إنها تبعية للمدخلات. قد يعلن بلد ما إنتاجا محليا، لكن إذا كان هذا الإنتاج يعتمد على آلات مستوردة، وقطع مستوردة، وبرمجيات مستوردة، ومواد أولية مستوردة، وبراءات مستوردة، وموردين خارجيين، وصيانة أجنبية، فإن الاستقلالية المعروضة تبقى هشة. التركيب قد يعطي وهم الصناعة. التغليف قد يعطي وهم الصيدلة. التحويل الأدنى قد يعطي وهم القيمة المضافة. لكن السيادة الإنتاجية تختبر في العمق: من يصنع الآلة؟ من ينتج المدخل؟ من يتحكم في التكنولوجيا؟ من يملك المعيار؟ من يضمن الصيانة؟ ومن يلتقط الهامش؟

الريع يمول التبعية كما يمكنه تمويل التحرر الإنتاجي

تلعب الطاقة في هذا النظام دورا ملتبسا. إنها تمول التبعية كما يمكنها أن تمول التحرر الإنتاجي. يسمح الريع بالشراء، والتعويض، والدعم، والاستيراد، وتهدئة التوترات الاجتماعية مؤقتا. لكنه عندما لا يتحول إلى قدرات صناعية دائمة، يصبح مخدرا اقتصاديا. يبقي النظام واقفا من دون أن يغيره. يدفع فاتورة الاستيراد بدل بناء السلاسل التي تجعل هذه الواردات أقل ضرورة. يؤجل الصدمة، لكنه لا يلغي الهشاشة.

هنا يبلغ الخطاب الرسمي حول التنويع حدوده. منذ عقود، تردد الجزائر أنها يجب أن تخرج من التبعية للمحروقات. الصيغة صحيحة، لكنها أصبحت مستهلكة، شبه تزيينية. التنويع لا يعني فقط فتح مناطق صناعية، أو تنظيم معارض، أو توقيع اتفاقيات، أو إعلان مشاريع ضخمة. التنويع يعني إنتاج قدرات فعلية: آلات، مدخلات، قطع، كفاءات، لوجستيك، بحث تطبيقي، تمويل طويل، معايير صناعية، مناولة محلية، صيانة وطنية، وتحكم في سلاسل القيمة. من دون ذلك، يبقى التنويع خطاب دولة موضوعا فوق اقتصاد استيرادي.

تكشف أوغوستا هذا الفرق بدقة. يمكن الدفاع عن العملية كأداة للاندماج في المصب وللوصول إلى أسواق خارجية. وقد تظهر اليوم نتائج أفضل مما قاله أشد منتقديها. لكنها لا تجيب عن السؤال الحاسم: لماذا لم يرسخ اقتصاد منتج للمحروقات، على أرضه، جهاز تكرير وبتروكيمياء وتحويل صناعي ولوجستيك قادرا على تحويل الريع إلى قوة إنتاجية؟ لماذا خدم الريع تمويل التدفقات أكثر مما خدم التحكم في السلاسل؟

المشكلة ليست تقنية فقط

الجواب ليس تقنيا فحسب. إنه سياسي واجتماعي. اقتصاد الريع ينتج مجموعات مصالح متكيفة مع الريع. يغذي المستوردين، والموزعين، والوسطاء، وبيروقراطيات الرقابة، والزبائن الإداريين، ودوائر الالتقاط. يفضل تدبير المدى القصير، لأن الإنتاج في المدى الطويل يحتاج إلى انضباط، وشفافية، واستثمار، وتقييم، ومحاسبة للفشل، وتعلم صناعي، واستقلالية للكفاءات، واستمرارية استراتيجية. أما الاقتصاد المدار بالريع فيفضل غالبا الرقابة على الإنتاج، والإعلان على الحصيلة، والاستيراد على التصنيع، والتوزيع على التحويل.

ليست هذه قدرا. تملك الجزائر أوراق قوة كبيرة: الطاقة، الموقع المتوسطي، العمق الإفريقي، السوق الداخلية، الكفاءات التقنية، التجربة الصناعية، القدرات المينائية القابلة للتحديث، وإمكانات البتروكيمياء والطاقة الشمسية والمناجم والزراعة. لكن هذه الأوراق تبقى مبعثرة ما لم تنظم داخل استراتيجية مادية منسجمة. السيادة ليست شعارا دبلوماسيا. إنها سلسلة. إذا غابت حلقة، عادت التبعية عبر الميناء، أو الفاتورة، أو المورد، أو المعيار، أو قطعة الغيار، أو السعر الذي يدفعه المستهلك.

لذلك يجب قراءة ملف أوغوستا كعرض. إنه يبين أن سؤال الطاقة لم يعد ممكنا فصله عن سؤال الصناعة، وأن سؤال الموانئ لم يعد ممكنا فصله عن السؤال الاجتماعي، وأن سؤال الأسعار لم يعد ممكنا فصله عن سؤال المدخلات. كل شيء مترابط. بلد يستورد مدخلاته يستورد هشاشاته. بلد لا يتحكم في موانئه يخضع لتدفقاته. بلد يعيش من الريع من دون بناء سلاسله الإنتاجية ينتهي إلى تحويل ثروته إلى تبعية ممولة.

قد لا تكون الفضيحة الحقيقية في سعر شراء مصفاة صقلية فقط. إنها في هذا العجز الطويل عن جعل الطاقة أكثر من ريع، والموانئ أكثر من أرصفة استيراد، والأسعار أكثر من ألم اجتماعي يدار دوريا، والسيادة أكثر من كلمة ثقيلة موضوعة فوق اقتصاد خفيف.

أوغوستا ليست قوسا عابرا. إنها مرآة. وهذه المرآة تعيد إلى الجزائر صورة قاسية: صورة بلد يملك الموارد، لكنه ما يزال مطالبا بانتزاع السلاسل المادية لقوته الخاصة.

Yaqoub Mellali

المصادر المستخدمة

  • ExxonMobil، بيان 9 ماي 2018 حول اتفاق بيع مصفاة أوغوستا والمحطات والأنابيب المرتبطة بها إلى سوناطراك.
  • Sonatrach، الصفحة المؤسساتية « Refining & Petrochemicals »، تمت مراجعتها في 29 ماي 2026.
  • Enerdata، « Sonatrach closes acquisition of 198000 bbl/d Augusta refinery in Italy »، 5 ديسمبر 2018.
  • Hydrocarbon Engineering، « Sonatrach and Esso Italiana close Augusta refinery transaction »، 3 ديسمبر 2018.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ