الريع حين يغيّر شكله
تريد الجزائر أن تجعل من الصناعة البتروكيميائية أداة للسيادة الصناعية. لكن الريع، عندما يتحول شكله، لا يتوقف بالضرورة عن كونه ريعا. المسألة الحاسمة ليست فقط في استخراج الموارد أو تحويلها، بل في ما يُبنى حولها: مصانع، كفاءات، مناولة محلية، وظائف مؤهلة، معرفة تقنية وأسواق داخلية قادرة على امتصاص القيمة المنتجة.
بحسب المصدر الأولي، أعاد مجلس الوزراء المنعقد في 18 ماي 2026 ملف الصناعة البتروكيميائية إلى الواجهة. وقد رُبط النقاش بتثمين الموارد محليا، وباستغلال النفط لإنتاج مواد بلاستيكية، وبالهليوم باعتباره موردا ذا قيمة مضافة، وبالفوسفات كجزء من سياسة صناعية أوسع. الهدف المعلن هو تقليص التبعية للاستيراد وحماية الاقتصاد الوطني من صدمات الأسواق العالمية.
هذه الحجة ليست ضعيفة. بلد يصدر المحروقات ثم يستورد جزءا كبيرا من المواد البلاستيكية الأولية يعيش مفارقة معروفة في اقتصادات الريع: يبيع المادة الخام أو الطاقة، ثم يشتري القيمة بعد تحويلها في الخارج. لكن تشخيص المفارقة لا يكفي. السؤال الحقيقي هو كيف ستعالجها الدولة.
التحويل ليس دائما تصنيعا
يمكن للبتروكيمياء أن تكون خطوة صناعية فعلية. فهي تسمح بإنتاج الراتنجات، الأسمدة، المواد البلاستيكية التقنية، المذيبات ومكونات تستعمل في الفلاحة والبناء والصحة والصناعة. ويمكنها أن تدعم شبكة واسعة من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في التحويل، الصيانة، النقل، الهندسة وإعادة التدوير.
لكنها قد تتحول أيضا إلى امتداد أكثر تعقيدا للريع. هذا هو الخطر. إذا بقيت المشاريع محصورة في مركبات ضخمة، كثيفة الرأسمال، مستوردة للتجهيزات، ضعيفة الارتباط بالمؤسسات المحلية وموجهة أساسا للتصدير، فإن التحويل لن يغير البنية الاجتماعية للاقتصاد. سيضيف طابقا جديدا إلى الريع، من دون بناء نسيج إنتاجي وطني كثيف.
الفرق بين النموذجين يظهر في الأسئلة الملموسة: كم وظيفة مؤهلة ستُخلق؟ كم مؤسسة محلية ستدخل في المناولة؟ ما حجم الصيانة والتكوين والتقنية المنتجة محليا؟ ما العلاقة بين هذه المشاريع والجامعات والمعاهد التقنية والمناطق الصناعية؟ لا تُقاس الاستراتيجية الصناعية بحجم الإعلان، بل بعمق السلسلة الإنتاجية التي تفرضها.
البلاستيك كاختبار اجتماعي
إنتاج المواد البلاستيكية الأولية محليا قد يقلص فاتورة الاستيراد ويؤمن التموين ويدعم بعض الصناعات التحويلية. لكنه لا يكون مفيدا اجتماعيا إلا إذا أثر في الأسعار، في توفر السلع، في استقرار التموين، وفي خلق وظائف دائمة. الصناعة لا تصبح شعبية لأنها تحمل اسما وطنيا، بل لأنها تغير شروط الحياة والعمل والإنتاج.
هنا يجب أخذ الخطاب الرسمي بجدية، لا بحرفيته. السيادة الصناعية لا تعني استبدال مورد أجنبي باحتكار محلي. إنها قدرة جماعية على الإنتاج، التحويل، الإصلاح، التدوير، التكوين وتوجيه الاستخدامات. أما الريع فيميل دائما إلى تركيز القرار في المشاريع الكبرى والعقود والأرقام الكبيرة.
فخ التعويض البسيط للاستيراد
تقليص الاستيراد ضروري، لكنه غير كاف. فقد تستورد دولة ما منتجات نهائية أقل، لكنها تستورد في المقابل آلات، تراخيص، تكنولوجيا، قطع غيار ومعرفة تقنية أكثر. عندها يكون الإنتاج محليا في الشكل، لكنه تابع في العمق.
لذلك يجب التمييز بين ثلاثة مستويات: مستوى تجاري يهدف إلى تقليص الفاتورة، ومستوى صناعي ينتج المدخلات محليا، ومستوى استراتيجي يملك التكنولوجيا والصيانة والتكوين والابتكار. النقاش الجزائري يجب أن يكون في المستوى الثالث. وإلا ستصبح البتروكيمياء اسما جديدا لتبعية قديمة.
كما لا يمكن تجاهل البعد البيئي. الاستثمار في البلاستيك في عالم يتجه إلى الحد من بعض استعمالاته يفرض إدماج إعادة التدوير، المعايير الصحية، الحد من التلوث وإدارة النفايات. الإنتاج الأكثر ليس بالضرورة إنتاجا أفضل.
تمتلك الجزائر موارد وخبرة طاقوية وسوقا داخلية ومؤسسات عمومية قوية. لكن المورد الطبيعي ليس سياسة في حد ذاته. النفط والغاز والفوسفات والهليوم يفتحون إمكانية، ولا يصنعون وحدهم نسيجا صناعيا.
يمكن للبتروكيمياء أن تكون خطوة نحو السيادة الإنتاجية. ويمكنها أيضا أن تكون الصيغة الحديثة لفكرة قديمة: الاعتقاد بأن بيع المورد بشكل أفضل يكفي لصناعة اقتصاد متحول. الريع يعرف كيف يغير لباسه. أما الصناعة الحقيقية فتعرف من أثرها: إنها توسع قدرة المجتمع على الإنتاج.
Yaqoub Mellali
المصادر المستخدمة
الصحافة :
- El Watan, « Conseil des ministres : Tebboune insiste sur le développement de l’industrie pétrochimique », 18 mai 2026.
- Reuters, « Algeria plans $60 billion energy investment over five years, Energy minister says », 6 octobre 2025.
- Reuters, « Algeria signs $5.4 billion oil and gas deal with Saudi firm Midad Energy », 13 octobre 2025.




