قفصة: الفوسفات بين الريع والعمل والأرض المتعبة
عندما يتعطل الفوسفات في قفصة، لا يتوقف منجم فقط. تظهر علاقة كاملة بين الريع، العمل، البيئة، والدولة التي تعد بالتنمية ولا توزع كلفتها بعدل.
الفوسفات التونسي ليس قطاعا تقنيا. إنه ذاكرة طبقية وجهوية. حوله نشأت مدن، عائلات، وظائف، أمراض، احتجاجات وأحلام بالتنمية. لذلك لا يمكن قراءة كل توقف إنتاجي باعتباره مشكلة أمنية أو إدارية. إنه غالبا عودة للسؤال نفسه: ماذا أخذت الدولة من الأرض، وماذا أعادت إلى الناس الذين يعيشون فوقها؟
الريع لا يلغي العمل
تتعامل الحكومات أحيانا مع الموارد كما لو أنها أرقام تصدير. لكن الفوسفات قبل أن يصبح رقما في الميزان التجاري هو عمل: عمال، نقل، صيانة، مصانع تحويل، أسر تعيش على الأجر، وقرى تتحمل الغبار والتلوث والانتظار. عندما يحتج السكان أو يتعطل النقل، فإن ذلك لا يعني فقط رفضا للعمل، بل رفضا لأن يبقى العمل بلا اعتراف اجتماعي.
الريع الاستخراجي يحمل دائما تناقضا. الدولة تحتاج إلى العائدات. الشركات تحتاج إلى الاستقرار. العمال يحتاجون إلى دخل. السكان يحتاجون إلى صحة وماء وطرق وخدمات. وعندما لا توجد آلية عادلة لتوزيع الكلفة والعائد، تنفجر التوترات حول كل محطة إنتاج أو نقل.
قفصة كمرآة
قفصة لا تقول شيئا عن تونس وحدها. إنها نموذج لمناطق استخراجية كثيرة في المغرب العربي وإفريقيا: أرض تُستخرج منها الثروة، لكنها تبقى فقيرة في الخدمات؛ عمال يقدمون أجسادهم للقطاع، لكنهم يرون القيمة تهرب؛ دولة تتحدث عن التصدير، بينما الناس يتحدثون عن المستشفى والطريق والماء.
لذلك لا يكفي أن نطالب بعودة الإنتاج. السؤال السياسي هو: عودة أي إنتاج، لصالح من، وبأي ضمانات اجتماعية وبيئية؟ إذا عاد الفوسفات إلى الحركة دون تغيير في علاقة المركز بالجهة، فإن الهدوء لن يكون إلا مؤقتا.
المنجم ليس فقط حفرة في الأرض. إنه عقد اجتماعي غير مكتوب. وحين يشعر الناس أن العقد مكسور، يصبح توقف الناقلات لغة سياسية أخيرة.
المصادر المستخدمة
- La الصحافة de Tunisie، مصدر أولي من أرشيف LMA
- Reuters، مواد سياقية حول قطاع الفوسفات التونسي




