المخزن تحت الشبهة
في مالي، لا يُعدّ مكتب النيجر إدارة زراعية عادية، بل هو بنية من بُنى السيادة. لذلك فإن الحديث عن اختلالات مالية داخله لا يخص الحسابات العمومية وحدها، بل يمس طريقة حماية الدولة لمخزنها الغذائي أو إضعافه.
بحسب مقال نشره موقع مالي أكتو في 18 ماي 2026، جرى التبليغ عن اختلالات مالية كبيرة داخل مكتب النيجر، مع إحالة الملف إلى النيابة. في هذه المرحلة يجب استعمال صيغة الحذر. فالوثيقة الأصلية، والمبالغ، والفترة المعنية، والخدمات الإدارية المعنية، والردود الرسمية، كلها عناصر يجب التحقق منها قبل أي توصيف نهائي.
السيطرة على الماء سلطة اجتماعية
مكتب النيجر ليس إرثا تقنيا فقط. إنه فضاء تاريخي تتقاطع فيه الدولة والنهر والأرض والفلاحون والمستثمرون والمانحون وفكرة الأمن الغذائي نفسها. أهميته تأتي من كونه ينظم العلاقة المادية بين الماء والإنتاج. وفي بلد ساحلي، هذه العلاقة ليست محايدة أبدا.
الماء الذي يمر عبر قناة يتحول إلى قرار إداري. يفتح موسما زراعيا أو يعطله. يمنح حق الوصول إلى قطعة أرض، أو إلى دين، أو إلى مردود، أو إلى سوق. لذلك فإن أي غموض مالي في هذه السلسلة لا ينتج مشكلة محاسبية فقط، بل يخلق شكا حول توزيع وسائل الإنتاج.
إذا تأكدت الاختلالات المشار إليها، فالسؤال المركزي سيكون: من يتحكم فعلا في القيمة التي تنتجها الأراضي المسقية؟ المنتجون، الإدارة، الوسطاء، الشركات، الشبكات السياسية، أم مسيرو المشاريع؟ الخطاب الرسمي يتحدث كثيرا عن السيادة الغذائية. أما الواقع فيفرض الحديث عن موازين القوة.
الأرز وحده لا يصنع السيادة
تحب الدول الأرقام الزراعية لأنها تعطي صورة سهلة عن القوة: هكتارات مهيأة، أطنان منتجة، مردودية مرتفعة. لكن السيادة الغذائية لا تقاس بالمساحات المسقية فقط. إنها تقاس بقدرة البلد على تنظيم الإنتاج، حماية المنتجين، التحكم في الكلفة، توزيع الماء بعدالة، مراقبة الحسابات، ومنع تشكل الريع داخل المؤسسات المكلفة بإطعام البلد.
هنا تظهر مفارقة مكتب النيجر. فهو أداة للأمن الغذائي، لكنه قد يصبح أيضا فضاء للريع. حيث توجد الأرض والماء والرسوم والصفقات والأشغال والمدخلات والمشاريع الممولة، توجد أيضا إمكانية الالتقاط. هذه الإمكانية لا تعني إدانة أحد، لكنها تفرض رقابة عمومية صارمة وواضحة وقابلة للتتبع.
مكافحة الفساد لا تكفي إذا أصبحت أداة صراع
في مالي كما في غيرها، يمكن أن تفتح مكافحة الفساد طريقا للمحاسبة، ويمكن أيضا أن تصبح وسيلة لتصفية الحسابات السياسية. الفرق لا يظهر في الشعارات، بل في الإجراءات: من يحقق؟ بأي وثائق؟ هل تنشر المعطيات؟ هل يوجد حق في الرد؟ هل تحدد المسؤوليات بدقة؟ هل تستمر المتابعة حتى النهاية؟
في مؤسسة استراتيجية مثل مكتب النيجر، الفساد إذا ثبت ليس خطأ أخلاقيا فقط. إنه اقتطاع من بنية بقاء. كل مبلغ يضيع في منظومة الري قد يعني قناة أقل صيانة، قطعة أقل إنتاجا، عبئا إضافيا على الفلاح، وتأخرا في موسم زراعي. سوء التسيير ينتهي في سعر الأرز، وفي دين الفلاح، وفي هشاشة البلد.
حكم المخزن لا يكون بالشعار
تتحدث مالي عن السيادة لأسباب مفهومة: انعدام الأمن، العزلة الجغرافية، ضغط المناخ، والاضطراب الإقليمي. لكن السيادة لا تُبنى ضد الخارج إذا كان الداخل مفتوحا على تسرب القيمة. لا يكفي نقد الأسواق العالمية أو الهيمنة القديمة. يجب أيضا النظر إلى الإدارات والعقود والصفقات والتعيينات والرقابة.
ينبغي أن يكون مكتب النيجر مكانا للحقيقة المادية: الأرض، الماء، الأرز، العمل، والعائلات الريفية. إذا تأكدت اختلالات مالية فيه، فلا ينبغي التعامل معها كحادث هامشي، بل كإنذار حول هشاشة السيادة حين لا تستند إلى حوكمة صلبة.
السيادة الغذائية ليست خطابا. إنها حسابات نظيفة، قناة مصانة، أرض مؤمنة، فلاح يتقاضى حقه، وصفقة عمومية مراقبة. الدولة التي تريد إطعام شعبها يجب أن تمنع أولا أن يتحول مخزنها إلى ريع لمن يديرونه.
Yaqoub Mellali
المصادر المستخدمة
الصحافة :
- MaliActu, « Mali : irrégularités financières à l’Office du Niger », 18 mai 2026.
- Le Monde, « Mali : Choguel Maïga, de premier ministre complaisant à cible des putschistes », 8 janvier 2025.
Sources contextuelles :
- Données contextuelles sur l’Office du Niger et le barrage de Markala, à consolider par sources institutionnelles avant publication définitive.




