السياسة الجزائرية

العلم والآثار والرئاسة: المركزية سياسة للمستقبل

مشاركة :
1 دقائق قراءة

إن الإعلان عن إنشاء مجلس أعلى للعلماء ووكالة وطنية للآثار تحت وصاية الرئاسة يقول أكثر بكثير من عنوان إداري. إنه يكشف طريقة في الحكم: استيعاب المعرفة والذاكرة والخبرة داخل المركز السياسي.

العلم والآثار لا يكونان محايدين أبدا في دولة تشك في مؤسساتها. فهما يمسان قوتين أساسيتين: إنتاج المستقبل ورواية الماضي. الأولى تجري في المخابر والجامعات والمؤسسات التكنولوجية وشبكات الباحثين وتكوين المهندسين والاستخدامات الاجتماعية للابتكار. والثانية تجري في الحفريات والأرشيفات والمتاحف والحفظ والروايات التاريخية والطريقة التي يتعرف بها المجتمع على نفسه في عمق الزمن.

يمكن قراءة الإعلان من زاويتين. الحقيقة الثابتة أن الدولة تريد منح العلم والبحث والجالية العلمية والتراث مرئية سياسية. والقراءة الممكنة أنها تريد أيضا إعادة هذه المجالات إلى محيط الرئاسة، كما لو أن المستقبل الفكري والذاكرة المادية للبلد لا يمكن تأمينهما إلا بالصعود إلى القمة.

ليست المسألة إنكار فائدة المبادرة. لدى الجزائر جالية علمية حقيقية، وكفاءات مشتتة، وجامعيون غير مستغلين بما يكفي، وتراث أثري واسع، وحاجة واضحة إلى التحديث. البلد الجاد يجب أن يحشد باحثيه، ويحمي مواقعه، ويرسم خريطة موارده التراثية، ويمول مخابره، ويخلق جسورا بين الجامعة والصناعة، ويطور علوم البيانات، ويدعم البحث التطبيقي، ويعيد الاعتبار إلى مهن المعرفة.

لكن السؤال الحاسم مؤسسي. سياسة علمية لا يمكن أن تقوم فقط على مجلس مرموق يضم أسماء كبيرة. إنها تحتاج إلى جامعات حرة، وميزانيات مستقرة، ونداءات مشاريع شفافة، ومخابر مقيّمة، ومنشورات متاحة، ودوران دولي للمعرفة، وقدرة على الجدل، وحماية للاستقلال الأكاديمي. من دون ذلك يصبح العلم زينة دولة. يستدعى الباحثون كرموز، لكن البحث لا يبنى كنظام.

المنطق نفسه يخص الآثار. إنشاء وكالة قد يكون مفيدا إذا امتلكت الوسائل والخبراء وسلطات الحماية واستراتيجية للحفريات والحفظ والتثمين العام. لكن التراث ليس ملحقا سياحيا. إنه يمس تعددية التاريخ الجزائري: الأمازيغي، الفينيقي، الروماني، المسيحي القديم، الوندالي، البيزنطي، الإسلامي، العثماني، الاستعماري والمعاصر. وكالة آثار جدية لا يجب أن تمحو هذه التعقيدات، بل تجعلها مرئية.

المقارنة مع الأعمال الطويلة مضيئة. ساغرادا فاميليا، رغم تناقضاتها، تبيّن معنى عمل تتابعه أجيال، تغذيه الهندسة والذاكرة والاستمرارية والنقل. ومسبارا فوياجر، اللذان صمما لمهمة قصيرة وما زالا يرسلان معطيات بعد قرابة نصف قرن، يذكران بأن الحضارة العلمية تعرف بقدرتها على تسجيل أدواتها خارج زمن العهدة القصيرة والدورة السياسية وأثر الإعلان.

إفريقيا نفسها تعطي إشارات أخرى. الابتكارات المعروضة في فيفا تك حول الذكاء الاصطناعي واللوجستيك الفلاحي واللغات المحلية والتتبع تبين أن التكنولوجيا النافعة لا تولد دائما في الواجهات. كثيرا ما تولد من مشاكل ملموسة: محاصيل ضائعة، نقل معطل، بنى معزولة، حاجات لغوية، وسيادة غذائية. هنا يجب أن تبذل الجزائر جهدها: لا أن تنشئ مؤسسات في الأعلى فقط، بل أن تروي المجال بحلول نافعة.

لا يحتاج البلد إلى عبادة بيروقراطية للعلم. يحتاج إلى مجتمع عارف. لا يحتاج إلى سردية تراثية مركزية. يحتاج إلى حق في الماضي الكامل. لا يحتاج إلى امتصاص كفاءات الجالية في احتفال وطني. يحتاج إلى شروط مادية وفكرية تجعل العمل معه مرغوبا من دون الخضوع لثقله الإداري.

الاختبار الحقيقي بسيط: هل ستنتج هذه الهياكل برامج وتمويلات وبيانات مفتوحة وجردا وترميمات ومنحا ونتائج عامة وشراكات قابلة للتحقق؟ أم ستصبح رمزين جديدين في الآلة الإدارية، قادرين على الاحتفال بالذكاء الوطني، وعاجزين عن حماية ما يجعله حيا: حرية البحث، والاعتراض، والاكتشاف، والنقل؟

كريم مدجاني

المصادر المستخدمة

  • الصحافة : Algérie Eco, “Création de deux importantes structures sous la tutelle de la Présidence de la République”.
  • الصحافة : BBC Afrique, article sur Gaudí et la Sagrada Familia.
  • الصحافة : BBC Afrique, article sur Voyager.
  • الصحافة : MaliActu, “VivaTech 2026 : l’Afrique tech défie les clichés avec IA et logistique agricole”.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ